الصفحة 18 من 54

[الأحزاب: 72] . فهو يستغفر الله تعالى من هذا المقام الذي هو فيه، فيستغفر الله من ظلمه وجهله، والإنسان من حيث هو كذلك فيه موجب الاستغفار قدرًا لازمًا لا ينفك عنه.

ومن موجبات الاستغفار عند المحسنين ما يفعله المرء بعد الطاعات طلبًا لتكميلها وإتمامها، كما يستغفر العبد ربه بعد الصلاة، وكما قال الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] ، وهذا الموجب فرع عن المعنى المتقدم من حيث قدر الإنسان بالضعف والجهل والظلم.

ومن موجبات الاستغفار عند الصالحين ما يقع منهم قدرًا مما لا يكون ذنبًا ولكنه من معاني قدرهم بالضعف والظلم والجهل، وذلك كالمرور عند ديار الظالمين فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه في غزوة تبوك: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المُعذبين. إلا أن تكونوا باكين» [1] ، ومثل هذا المعنى عند رؤية الآيات التي فيها العذاب كالخسوف وما في معناها من الوقائع القدرية، فإن مجرد وجود الإنسان حتى مع صلاحه في هذا المكان هو معنى من معاني إنسانيته التي حكم الله عليها بالضعف والظلم والجهل وهي موجبات الاستغفار.

وأما الموجب الذي هو من رحمة الله تعالى على العبد فهو استغفار العبد لذنبه الذي يقع منه، وهذا مع ما فيه من رحمة إلهية إلا أنه من محبوبات الرب حل في علاه، فإن الله الذي خلق الإنسان ضعيفًا، وظهر الضعف في الأب آدم عليه السلام كما قال تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} ، لكن لتظهر رحمة الله تعالى في قدر هذا الضعف أن قال بعدها فتحًا لباب السنة لأبنائه من بعده: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] ، وقد كان اليأس من رحمة الله تعالى بابًا أكبر للشيطان في قلب المرء الضال، ولذلك فإن من أسماء الله تعالى"الغفور"وهو لا يكون تأويله إلا بحصول الذنب من العبد ثم الاستغفار، فيكون تأويله بالمغفرة والعفو، وهذا باب لا يُغلق بل تكرار العبد في ولوجه موجب للرضى الإلهي كما في الحديث: «إن الله -عزَّ وجلَّ- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها [2] » .

(1) صحيح البخاري: 1/ 167/ح 429، 4/ 1609/ح 4312، ... 4/ 1737/ح 584. صحيح مسلم: 18/ 88/ح 7413.

(2) صحيح مسلم: 17/ 67/ح 6938

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت