ومن المعلوم أن بعض أسس الأديان الباطلة هو اليأس من رحمة الله، والاعتقاد بنجاسة الإنسان أصلًا وراثة له من أبيه، ولا يتصور من الطهر ولا الصلاح، وهذا هو أساس دين النصرانية، حيث تفرع منه القول بالخلاص، وذلك في عقيدة الصلب، إذ المنشأ هو الخطيئة ثم الصلب ثم الخلاص، فكان أساسها الضلال ثم ختمت بأفسد من الأصل وهو رفع التكليف بحصول الصلب المزعوم الذي حصل به الخلاص كما تفسر ذلك رسائل بولس خاتمة الإنجيل المحدث.
ولهذا قال الله تعالى عن هذه الأمة في دعائهم، وهو مما وقع: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] . فوجود الذنب"الإصر"هو مما حصل به التشريع المضيق كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] .
ولذلك كان بعد ذكر توسيع باب الحِل، وجعله أصلًا، ثم جعل الحرمة استثناءً عن الأصل أن قال الله تعالى بعدها: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} ، وهذا كله داخل في هذا المنّ الإلهي في هذه الآية: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) } ، فإنه سبحانه جعله معصومًا من الذنب، وهذه أعظم درجات التوبة كما تقدم، ثم جعل دينه وشرعه ليس فيه من معاني الإصر التي كانت على الأمم السابقة، وهذا يظهر عظمة مقام هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقام شرعه ومقام أمته.
ثم إن ذكر هذه الآية وأشباهها في القرآن من ذكر رحمة الله بنبيه، ومغفرته لذنبه، بل وذِكر ما عُوتب فيه كما في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 1 - 4] ، وكقوله تعالى في أخذ الفداء في أسرى بدر: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] . يدل على أن الذنب ليس مما يُعيَّر به المرء، فإن التعبير بالذنب، وما في معناه مما يفعله بعض الناس ممن يهتمون بالأرشيف وذِكر مثالب وأخطاء الدعاة والعلماء إنما هو طريقة فرعونية كما فُعِل مع موسى عليه السلام لما قال له حين جاءه داعيًا: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ، وكان من فقه موسى عليه السلام أن أقرَّ بها، وأقرَّ بالتوبة وقال: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] ، وقد نهى