الصفحة 20 من 54

الله عبيده عن هذا الفِعْل، وهو التعيير بالذنب الذي تاب منه صاحبه فقال سبحانه: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] ، فالذنب قدر الإنسان حيث هو، وإنما يُعيَّر المجاهر والمصر والمستكبر، وحين يكون الأمر كذلك؛ أي قدر الناس جميعًا فلا يُثرَّب على الواحد كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناهيًا عن الضحك من الضرطة: «لم يضحك أحدكم مما يفعل» [1] ، فهذا قدر الناس جميعًا لا واحدًا دونهم.

فالداعي إلى الله ليس ملكًا، ولا هو مقطوع التاريخ والحياة، بل هو إنسان له أحوال الضعف والغفلة والنسيان، ووقوع الذنب منه تاريخيًا وحالًا لا يمنعه من أداء الرسالة وتبليغ الأمة، ومن دلائل يأس الإنسان من رحمة الله أن يترك التبليغ بسبب ذنب أصابه، ويدفع ذلك يقينه أن التوبة تجب ما قبلها وتدفع عنه أثر الذنب ومساءلته، فهذا يونس عليه السلام حصل له الفضل بعد التوبة كما قال تعالى: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم: 48 - 50] ، بل إن من إشارات القرآن هو استغلال القُرب من الله لحظة التوبة من الذنب لتحصيل المراد من المسائل والغايات والمقامات كما وقع من سليمان عليه السلام كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 34، 35] ، وذلك لما يعلم العبد أن التوفيق للتوبة هو مقام يحبه الله تعالى، فاجتباء المرء له؛ أي إلى مقام التوبة المحبوب يدعوه لطلب المزيد، واستثمار هذه النفخة الإلهية الكريمة.

ووجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام دومًا هو الذي حقق له قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] ،"فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى عليه في الأولين والآخرين، وأفضل وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه، أفضل ما زكى أحدًا من أمته بصلاته عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلًا عمن أُرسل إليه"، كما قال إمام أهل السنة والفقه محمد بن إدريس الشافعي في صدر كتابه (الرسالة) [2] .

(1) صحيح البخاري: 4/ 1888/ح 4942. أطرافه 3377، 5204، 6042. ... صحيح مسلم: 17/ 159/ح 7140. لفظ مسلم: «إلام يضحك أحدكم مما يفعل» .

(2) الرسالة: 107 - 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت