ومقام أتباعه من بعده في مقاربتهم لهذا الشأن العظيم هو دوام الاستغفار حتى يحصل لهم ما قاله - صلى الله عليه وسلم: «إن عبدًا أصاب ذنبًا -وربما قال أذنب ذنبًا- فقال رب أذنبت -وربما قال أصبت- فاغفر لي فقال ربه أَعَلِمَ عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا أو أذنب ذنبًا، فقال رب أذنبت -أو أصبت- آخر فاغفره لي. فقال أَعَلِمَ عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبًا -وربما قال أصاب ذنبًا- قال قال رب أصبت -أو أذنبت- آخر فاغفره لي. فقال أَعَلِمَ عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي -ثلاثًا- فليعمل ما شاء» [1] .
فقوله سبحانه: «فليعمل ما شاء» هو من نفس معنى «مغفرة ما تأخر» وفيه بعض فضله: فما من خير أعطاه الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا وجعل بعض معانيه لأمته من بعده - صلى الله عليه وسلم -.
فكان من نعمة الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن منع عنه وقوع الذنب قبل النبوة، فلم يعيره الكفار بشيء من الذنب فحقَّ لذلك قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) } ، لأن انشغال الداعي بالدفع عن نفسه، متعب له ومرهق في دعوته، وكان هذا المقام كذلك مانعًا منه من الاستغفار للذنب إنما هو الاستغفار على المعنى العظيم الذي تقدم، وحسبك أن تعلم قول القائل لموسى عليه السلام: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19] ؛ لتعلم معنى هذا المقام الذي أنعم الله به على نبي هذه الأمة المرحومة به - صلى الله عليه وسلم -.
ولذلك فقوله تعالى: {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) } ؛ يدخل فيه هذان الأمران مع غيرهما، وهو ما يصيب النفس من الذنب، وما يتحقق فيها من الظلمة عند اقترافها، وكذلك ما يتعب النفس من تعيير الخصوم له حين يدعوهم إلى الله تعالى، وقد فرج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين الأمرين ابتداءً قبل وقوعهما.
الداعي إلى الله في تبليغه وإقامة الشهادة على الخلق يكفيه ألم إعراض الناس عنه، ويكفيه ما يلاقيه من اتهام الخصوم وأكاذيبهم ضده، ولا ينبغي أن يُزاد عليه فوق ذلك ألم أثقال وأوزار الذنوب، وهي أشد عليه، فبالأعداء تزداد إرادته اندفاعًا، وبصدهم يزداد تصميمًا، لكن مما يثقله ويعطله هي أثقال الذنوب، ولذلك فإنه
(1) صحيح البخاري: 6/ 2725/ح 7507.