حريص على إزالتها، وهذا مما يوجب عليه خلوة إلى نفسه بالاستغفار والتوبة والإنابة، فعليه أن يكون له ورده من الليل يناجي به ربه ويدعو فيه دعاء أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» . وينبغي أن يكون له السجود الطويل وهو يقول ما كان يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» [1] . يتأول القرآن كما تقول الصديقة عائشة رضي الله عنها، فإن هذا مما يشرح نفسه ويبسطها كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام. بكل عقدة يضرب عليك ليلًا طويلًا. فإذا استيقظ، فذكر الله، انحلت عقدة. وإذا توضأ، انحلت عنه عقدتان. فإذا صلى انحلت العُقَد. فأصبح نشيطًا طيب النفس. وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» [2] . كما عليه أن يكثر من الاستغفار بينه وبين ربه، كما عليه أن يكثر الوضوء، فإن للوضوء أثره في رفع الذنوب وبسط النفس، ولقد كان بعض أهل العلم يتوضأ في الليل أكثر من مرة ويقول:"إنه يطيب نفسي".
وهذه السمة من سر انبساط النفس بالطاعة وخلوها عن المعاصي وإدامة الاستغفار والإنابة وتنظيف النفس من عوائق الذنوب والأوزار هي عوامل التجديد الإيماني في حياة الأمة المسلمة، لا كما يظنه بعض الناس من كثرة الصراخ والدعاوي وتسويد الأوراق، فإن السمة الجامعة لقادة التجديد وأئمة الدين إنما هي الإخبات والعبادة والتضرع، فيحصل لهم العلم النافع الذي يتحقق في حياتهم سلوكًا وحالًا ومقامًا، واعلم أن أهون ما في هذا الطريق هو حفظ المتون ومعرفة حروفها وألفاظها، لكن المعاناة ودخول سبيل الصالحين والعلماء والدعاة لا يكون إلا بالعمل الصالح حتى يكون حال صاحبه إن رأيته مُذكِّرًا لك لله وللدار الآخرة، ومن تفكر في تاريخ الأمة المسلمة وكيفية إصلاحها وقيادتها لصلاح العالم علم أن رجال هذه المهمة هم العلماء الصالحون الذين جمعوا بين العلم النافع، فبذلوا أنفسهم وأوقاتهم في سبيل تحصيله، وبين العمل الصالح من العبادة والإخبات والإنابة، والأمة اليوم إنما تخبطها ومنع تحصيل أهدافها في التغيير والإصلاح والقيادة إنما هو لتولي غير العلماء لها، فالناس صنفان؛ إما عالم -إلا من رحم ربي- في ركاب الدنيا وزخارفها، فهو ينافس أهلها، فلا زهد ولا
(1) المسند: 1/ 676/ح 3890/ 5/ح 4138، 2/ 39/ح 4348،4352،7/ 328/ح 25528. صحيح ابن خزيمة: 2/ 30/ح 849. صحيح ابن حبان: 6/ 85/ح 6299. سمم ابن ماجة: 1/ 287/ح 920.
(2) صحيح البخاري: 1/ 383/ح 1125، 3/ 1193/ح 3199. صحيح مسلم: 6/ 54/ح 1769.