الصفحة 23 من 54

عبادة ولا سمت صالح، وإما عامل يبذل نفسه للدين بلا علم راسخ، والخير لا يكون إلا باجتماع العلم مع البذل والمجاهدة، وإلا فكيف يحصل الخير من خطيب جمعة يأتي للناس واعظًا وقد فاتته صلاة الفجر مع الجماعة؟! ولا أقول فاته قيام الليل، بل وكيف يأتي الخير من صاحب فتوى لا يدل سمته ولا بيته ولا حياته على أثر لذكرى الدار الآخرة؟!

يقابل ذلك ما نراه من قادة العمل الإسلامي إذ يغلب عليهم قلة العلم، بل هم يستهزؤون من حفظ القرآن والحديث وقراءة كتب الفقه، بل إن أحدهم يُسأل عن الكتاب الذي قرأه في الشريعة فيجيب: (رياض الصالحين) ، فهذا هو مقدار علمه بالشرع والدين.

هذا هو الفِصام الذي يمنع تحقيق الهداية وقيادة الأمة لصالح أمرها، ولذلك تتوجه الأمة إلى قيادات أخرى غير مهدية لأن معيارها مختل برؤية هذا الِفصام، ولو رأت العلماء الصادقين الزاهدين العابدين، الذين يحملون معنى الدين سلوكًا، ومهمات قضايا الأمة جهادًا لما التفتوا لغيرهم، ولبايعوهم على الحق والهدى، ولكن هذا هو قدر هذه الأمة، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

ولذلك فليعلم أن هذا الدين والعمل فيه ليس كشأن العمل بأفكار البشر ومذاهبهم، بل هو عمل التعبد والإخبات، والتجمع فيه ليس الأمر فيه كأمر الأحزاب الدنيوية، والقيادة فيه لا تكون فيه إلا كما قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247] ، وكما قال تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26] ، وكقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) } .

من المعلوم ضرورةً أن الإنسان له حاجتان ضروريتان غير الأمور الدنيوية، وهو فقير إليهما فقر اضطراري لا اختياري؛ الأول: التعبد والخضوع، والآخر: الامتثال والتعلق بالأسوة، فأولاهما: قائم بلا إله إلا الله، والآخر: قائم بمحمد رسول الله، ومحنة الخلق في الابتداء إنما هو في الإباء والاستكبار كما في قوله تعالى عن إبليس: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] . والإباء هو ترك الخضوع لله والاستكبار هو ترك الامتثال للغير كما قال القوم الكفرة: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 34] ، فالدين هو ما يحقق الأمرين؛ أي العبادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت