الصفحة 24 من 54

والدخول في الأسوة، واختيار الله تعالى كما قال: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] . للأنبياء وإدخالهم في محنة الإيمان في دعوة أقوامهم هو رفع لهؤلاء الأنبياء، إذ بذلك يصبح الإيمان بهم والدخول في قيادتهم وأسوتهم شرطًا ثانيًا بعد شرط توحيد الله لتحصيل الجنة ورضى الله تعالى، وهذا من الرفع الذي أعظم ما يكون ولا يبلغه مقام.

وهذه الاختيار للنبوة اصطفاء له سببه من علم الله تعالى بهم وبقلوبهم وبأدوات ما أُعطوا من إرادات وقدرات لتحقيق هذا الاصطفاء والاختيار، والطعن في النبوة طعن في اختيار صاحب الأمر وهو الله تعالى، ورد على الله في حكمة هذا الاختيار.

فالنبوة لا تحصل بالجهد، لكنها لا تكون إلا لوجود أسبابها من أقدار الله تعالى في هذا النبي المختار، وهي مع ما فيها من اختصاص درجة ومقام، إلا أنها كذلك فوق هذا الاختصاص فيها اختصاص العلم والعمل، ولعل هذا هو الذي أراده الإمام ابن حبان البستي في قوله: «النبوة علم وعمل» ، إذ لم يقصد القصر لكنه قصد وراء اختصاص النبوة بعد الاختيار، حيث يحصل للنبي بعد هذا من اختصاص العلم الذي لا يبلغه أتباعه، والعمل الذي لا يسبقونه به.

ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - له مقامات فوق هذا الاختيار -أي النبوة- إذ له مقام الأفضلية فيهم، فهو خير البشر، وهو خير الأنبياء، ومن خصائصه في هذا الباب أن أخذ الله على جميع الأنبياء الميثاق الإيمان به واتباعه إن أدركوه كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] .

وهذا من أعظم رفع الذكر له - صلى الله عليه وسلم - حيث بشر باسمه في التوراة والإنجيل كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] ، وقال الله عن عيسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت