وكان من رفع الذكر لاسمه ولمقامه -بأبي هو وأمي- هو سنة الأذان، وهي سنة لم تكن لأمة سابقًا، وفيه من رفع الصوت الذي يملأ الآفاق بذكر الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
هذا مع ما حصل له من المقامات في السماوات وبين الملائكة وفي بقية الخلائق حيث سلم عليه الحجر والدابة كما ثبت في ذلك أحاديث.
كما لا يوجد نبي حصل له من الأتباع الذين يذكرونه ويصلون عليه كما حصل للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأمته أكثر الأمم، وهم أكثر الأمم صلاةً على نبيهم لما حصل لهم من الصلاة عليه من الفضل كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] ، وأجر الصلاة على الحبيب المصطفى كأجر سائر الذكر الذي يتعبد به المسلمون كما في الحديث: «من صلى علىَّ صلاة؛ صلى الله عليه بها عشرًا» [1] .
وهذا رفع الذكر الذي حصل للأنبياء بأن جعلهم أسوة في التعبد وقدوة في السلوك يسري في أتباعه من العلماء والصادقين، فالناس وإن كان يغنيهم المثال المسطور، وهو ما ورد من الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنهم يحتاجون إلى أسوة قائمة يرونها حيث تعيش بينهم، ووجود هذا من الرحمة الربانية بالخلق، كما أن عدمهم من العذاب كما قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] . ولذلك كان الناس زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتدون به، ولا يتلفتون إلى سواه، ويسألونه عن الدين ولا يسألون سواه، لكنه لما مات -بأبي هو وأمي- أوصى أمته بأسوة يعودون إليها كما قال - صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» [2] .
فكان يرى الفاروق أن عليه لزوم طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما كان يرى أن عليه لزوم طريقة سلوك الصديق -رضي الله عنه-، ولذلك كان من شرط بيعة الخليفة الثالث أن يسلك طريقة الشيخين -رضي الله عنهما-، هذا كله مع شرط القرآن: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ، وهذا المعنى كان حاجزًا في كل قرن وطبقة من طبقات الوجود الإسلامي، حيث
(1) صحيح مسلم: 4/ 72/ح 800.
(2) (سنن الترمذي) : 1/ 113/ح 3815. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وفيه عن ابن مسعود وروى سفيان الثوري هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعي عن ربعي عن حذيفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.