الصفحة 26 من 54

كان المثال القدوة موجودًا وهو المقصود بقوله - صلى الله عليه وسلم: «في كل قرن من أمتي سابقون» [1] ، وهؤلاء هم من حجج الله على أقوامهم وأهل طبقتهم، ثم إن هذا هو دعاء ومطلب الصالحين بقولهم: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] .

وبمقدار صلاح هؤلاء وعلمهم وتقواهم يكون صلاح وعلم الأتباع وأهل الطبقة، فنزول مرتبة المتبوعين هو نزول مرتبة التابع، ولذلك كان من محطات حصول التغييرات التاريخية في الأمة أن وجد أئمة هداة فيهم صفة الفرادة والتميز حيث ارتبطت هذه المرحلة بهم، باعتبارهم قادتها وأهل الأثر الأكبر فيها، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن هذه المسارات التاريخية لم تكن من خلال صناعة البطولة الفردية لكنها كانت من خلال وعي جمعي رافق هذه البطولة الفذة الآسرة، والقرآن في مجال مدحه لطائفة الإيمان إنما يُقدم التصاق هذه الطائفة بالرجل المقدم الآسر والذي يحمل صفة الفرادة، سواء كان نبيًا أو تابعًا لنبي، كذلك هو نفس المقياس مع الكفر المقابل حيث يكون الفرد عنوانًا له ولجماعته مع وجود البيئة الملائمة له والحاضنة لنوازعه في إرادة الشر، فالفردانية مطلب قراني حين ينفصل المؤمن عن جماعة الباطل كانفصال إبراهيم عليه السلام عن قومه، وانفصال مؤمن آل فرعون عن أهله، وانفصال أهل الكهف عن ديانة بلدتهم، وهذه الفردانية تكون ممدوحة في هذا الاتجاه، لكن لا يتحقق أثرها في إيقاع التغيير التاريخي إلا بوجود البيئة الحاضنة لها وإلا فإنها تذهب في طبقة الشهداء كأهل الأخدود.

ورفع الذكر إنما يحصل بأحد الأمرين إما بأن تذهب في طبقة الشهداء فيحصل لها الذكر الأخروي كما قال الله تعالى عن مؤمن آل ياسين: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26، 27] ، وإما أن يتحقق له الأتباع والبينة التي تحقق أثر دعوته وجهاده فيسير أتباعه وتلاميذه بذكره في الأرض، وإن من مميزات هذه الأمة أن لا يموت فيها أهل الطبقتين، بل يحصل لكل واحد من رفع الذكر حتى لو لم يحصل له التغيير الآني لدعوته وجهاده، إذ يبقى اسمه في ذاكرته الأمة ووجدانها حتى ذهاب آخرها قبل يوم القيامة، بل قد تكمن آثار كلماته زمنًا ثم يحييها الله في طبقة أخرى ليست ملاصقة له في الزمن أو المكان، ومن قرأ كتب الطبقات والعلماء والنبلاء رأى هذا جليًا، والأمة اليوم تعيش ذكر ومقام وموقف رجال مروا على درب حياة هذه الأمة، وشبابها يستعيدون كلماتهم ومواقفهم كأنهم يشاهدونها، وما ذلك إلا لرفع

(1) ذكره السيوطي في (جامع المسانيد والمراسيل) : 5/ 228/ح 14900، 5/ 292/ح 14919. وقال أخرجه الحكيم وأبو نعيم عن ابن عمرو -رضي الله عنه-. والمراد بالسابق الداعي إلى الله المبعوث على رأس كل قرن للتجديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت