ذكرهم من الله تعالى والشأن في ذلك هو قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه؛ فيحبه جبريل. فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا، فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يُوضع له القبول في أهل الأرض» [1] . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» أي بين من هم على شاكلة أهل السماء من الطاعة والعبادة، لا أن يوضع له القبول في كل القلوب حتى العاصية الكافرة منها، فإن الأنبياء عليهم السلام لم يحصل لهم هذا، بل بغض هذه القلوب لهؤلاء هو دليل صلاحها كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112] ، وهذا يدلك على ما تقدم بأن وجود البيئة الإيمانية الموافقة لأهل الفرادة والصلاح والتميز هي التي تحقق المنعطفات التاريخية في هذه الأمة، وغيابها يعني أن يمر هذا المرء بينهم وهم يصرخون فيه كما كانت تصرخ قريش برسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ساحر، وكاهن، ومجنون" [2] .
وهذا المعنى من دخول أهل العلم الصالحين العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في سلسلة الأئمة المتبوعين، والقادة لأهل السلوك والعبادة والتغيير يجعلك تفهم لم أوجب الله على هؤلاء من القول والاجتهاد في دين الله تعالى، وأن القول بأن كلام السابقين وعلومهم كافية قول غير صحيح، لأن مقصد هذا القول هو منع تحقق الإتّباع على هذا المعنى الذي تقدم، ولذلك فالواجب على أهل كل طبقة في هذه الأمة أن يكون فيها العلماء الذين يتكلمون ويكتبون بكلامهم وكتبهم تفسيرًا وشرحًا وإفتاء في النوازل ليحصل لهم الإمامة لأهل عصرهم وهذا هو واقع هذه الأمة وقدرها بفضل الله تعالى، مع إقرار مجموع هذه الأمة المهتدية أن المتأخر لا يبلغ شأن المتقدم، والأمر في ذلك ما قاله السابقون ومنهم أبو عمر بن العلاء البصري وهو المتوفى سنة 154 للهجرة، وهو أحد القراء السبعة المتواترة، وأعلم أهل عصره بالعربية"ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال"، لكن هذا لا يمنع من يعرف علماء العصر حاجة الأمة لهم فيكتبون لهم ناصحين ومرشدين، وهم اليوم أهل عصر وفيه يُقال:"المعاصرة حرمان"حيث يثقل معرفة قيمة الرجل في زمانه، لكن قيام العالم بالحق قولًا وعملًا سيجعله مما قال فيه أهل العلم:"ما زال يقرأ في التاريخ معتبرًا حتى رأيته في التاريخ مكتوبًا".
(1) صحيح البخاري: 3/ 1175/ح 3139، 5/ 2246/ح 6040. طرفاه 3209،7485، 6/ 2721/ح 7485. طرفه 6040. (صحيح مسلم) : 16/ 157/ح 6656.
(2) (معرفة الصحابة) لأبي نعيم الأصبهاني: 3/ 67.