الصفحة 28 من 54

وهكذا فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - قرأ سيرة إخوانه وهو أعظم منهم، وقام على غرزهم وطريقتهم ثم حصل له من الذكر أكثر من ذكرهم، وكذلك لم يكن الصحابة يرون أن لهم شأنًا مع الكتاب والحديث ثم صارت سيرتهم تُتلى مع سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأقوالهم يُحرص عليها وتُجمع، وهكذا كان من أمر التابعين إلى من بعدهم، ولا يأتي زمان إلا وتزداد سلسلة الإيمان والعبادة والعلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يومنا هذا، وفي كل يوم تزداد آيات القرآن عملًا بهؤلاء الذين رفع الله ذكرهم، وحصل لهم نصيب من ميراث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) } .

والوارثون لهذا المقام النبوي طبقات؛ وأعلاهم طبقة هم العلماء المجاهدون، وهؤلاء هم الوُرَّاث الكاملون، حيث حصل لهم أعظم الفضائل وهو العلم النافع والعمل الصالح، بل وأعلى الأعمال الصالحة التي يتسابق فيها أهل الفضل بعد الأركان، والجمع بين هذين المقامين في العصور المتأخرة صعب المنال، لأن العلم يحتاج إلى وقت لتحصيله، وكذلك الجهاد حتى يصبح الرجل إمامًا فيه، ولذلك قد يغلب على عالم صفة العلم مع المشاركة في أعمال الإرادة والجهاد، وقد يغلب على آخر صفة الإرادة والجهاد مع مشاركة في العلم، والعاقل هو من يحقق فضيلة تحصيل الأمري، حيث لا يفوته درجة من هذين المقامين العظيمين؛ العلم والجهاد، ولذلك واجب الحذر من وضع هذين الأمرين في مقام المقابلة والضدية كما هو صنيع الكثيرين اليوم، إذ نرى بعض أهل العلم يعيبون على أهل الجهاد قلة علمهم، كما نرى تثريبًا من بعض أهل الجهاد على أهل العلم عدم مشاركتهم، مع أن التغيير في الأمة لن يكون إلا باجتماع هاتين الطائفتين في الرجل الواحد أو السبيل الواحد لأهل المقامين.

ومقام"رفع الذكر"لأهل العلم في تاريخنا إنما حصل لأقوام قد هيأ الله لهم من الأقدار ما جعل لهم من الأتباع أكثر من غيرهم، والقاعدة القرآنية في هذا المقام مع هؤلاء العلماء الصالحين هي قوله تعالى: {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] ، فهؤلاء حصل لهم الاعتناء بأقوالهم واجتهاداتهم لما علم الله من سابقتهم في هذا الأمر، ولما في هذه الاجتهادات من تسديد، فصار المرء من بعدهم لا يكون فقيهًا حتى يعرف أقوالهم واختلافاتهم كما قالوا:"لا يكون المرء فقهيا حتى يعرف اختلاف العلماء"، وقد كانت هذه الاجتهادات سببًا لتدوين الكثير من السنن، فنشاط الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى في تصنيف كتبه إنما هو من باب اعتنائه بالمذهب الحنفي، وكذلك صنع الإمام البيهقي الشافعي في كتبه المتعددة الحديثة نصرة واعتناءً وذبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت