الصفحة 29 من 54

وشرحًا لمذهب الشافعي، وهو عينه فعل الإمام أبي عمرو بن عبد البر في نصرة مذهب مالك، فكانت اجتهادات هؤلاء العلماء سببًا لخير هذه الأمة من هذا الباب، ثم في الطور الذي تلا ذلك، وهو تصنيف كتب الخلاف في المذهب الواحد أو المذاهب المتعددة كالمجموع للنوي والمغني لابن قدامة، فهذا الشأن من"رفع الذكر"لهؤلاء في هذا الباب إنما هو إرادة ربانية لأمر محبوب عنده في هؤلاء، والذين صار الانتساب إليهم في بعض الظروف والأزمان سببًا لحفظ الدين أمام البدعة والزندقة، كما كان الانتساب للمذهب المالكي في المغرب الإسلامي زمن العبيدين علامة مفارقة مذهب العبيدين الضال، وكما صار الانتساب للمذهب الحنفي في شبه القارة الهندية سببًا لحفظ الدين هناك، وكما صار الانتساب للشافعي في مصر يقابل الانتساب للإسماعيليين العبيديين بعد قضاء صلاح الدين عليهم فيها، فالانتساب لهذه المذاهب ليس كما يصوره بعض الناس اليوم أنه علامة فُرقة عن الحق والسنة، وكون وقوع النزاع المذموم بين جهلة ومقلدي هذه المذاهب من الذين يزعمون العودة للأمر الأول هو أكثر مما سمعناه مما وقع من جهلة ومقلدي هذه المذاهب قديمًا، مع أن هؤلاء الزاعمين اليوم إنما هم مُقلدة جُدد، وأصحاب مذاهب جديدة، لكن هؤلاء يتسترون باسم السنة وفقهها لدفع هذه الحقيقة، ولم يعد الأمر إلا خروج المرء من مذهب إلى مذهب لا غير، ولا تغرك الأسماء ولا الألقاب.

والقصد البيان أن زعم بعض الناس أن المذاهب المشهورة لأئمة الفقه كالحنفية والمالكية والشافعية ليس فيها زيادة فضل عن المجتهدين من غيرهم ممن لهم مشاركة في الفقه هو زعم مردود، يرده ما تقدم وغير ذلك من الأسباب.

واليوم في محنة الإسلام مع خصومه من أهل التحلل من الفقهاء الجدد الذين يريدون إلغاء الشريعة تحت باب التجديد والاجتهاد إنما يُرد عليهم بأقوال أئمة هذه المذاهب المرضية التي جعل الله لها القبول في الأرض، حتى من قبل هؤلاء الذين يريدون إيجاد مذاهب جديدة تحت باب إحياء السنة، فإن أهل الدين من هؤلاء لا يجدون بُدًّا من إيقاف ضلال هؤلاء المنتحلين بأقوال أصحاب هذه المذاهب المرضية المشهورة، فعلى الذين يحاولون وضع اتباع هذه المذاهب مقابل اتباع السنة أن يدركوا خطأ فعلهم شرعًا وقدرًا، لأن دعوتهم لا تعدو أن تؤول إلى مذهبية جديدة لأقوال أئمتهم المتبوعين، ولذلك فأنا أدعوا إلى إلغاء الانتساب"للسلفية"مقابل الانتساب لمذاهب الأئمة المرضيين المشهورين، فإن"السلفية"في معناها الصحيح؛ أي الانتساب للسلف الصالح تتحقق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت