الصفحة 30 من 54

للمنتسب لهذه المذاهب، ولا يخرج متبع أقوال هؤلاء الأئمة عن"السلفية"الحقة في شيء، وهذه المذاهب تسع جميع طبقات الناس ومراتبهم في العلم، من علماء وعوام، وأما لفظ"السلفية"خارج هذا المعنى فهو مذهب جديد لا ضابط له، بل هو في أصل وصفه في هذا الزمان كان عباءة واسعة دخل فيها كل من أراد"التجديد"بحق أو بباطل، ففيه كان محمد عبده المصري، كما فيه رشيد رضا وأتباع الدعوة النجدية من أتباع محمد بن عبد الوهاب، ثم بظروف معينة، وبقوى خارج مفهوم العلم تحقق على جهة معينة دون غيرها، وصار يضيق شيئًا فشيئًا حتى صار علمًا على تقليد مشايخ لا يزيدون عن ثلاثة فقط، بل هو عند بعضهم تقليد شيخ واحد منهم بعينه دون غيره، وهذه القضية وهي التخلي عن هذا الشعار"السلفية"تحتاج إلى شرح مطول وبسط أكثر، لكن يكفي أن يرى المتابع اليوم أن هذا اللفظ لا يعني خيرًا خاصًا به ولا يوجد في مذاهب الأئمة المتبوعين، فإن كان فيه خير، وهو كذلك فيه، فهو في هذه المذاهب، ولكن صار سببًا لتفريق المسلمين، كما صار النزاع عليه شديدًا بين المنتسبين إليه، حتى صار بعض الناس يضع مقيدًا له ليدلل افتراقه عن آخرين انتسبوا إليه، كما صار أهل الجمع الواحد ينتسبون لواحد من أهله دون غيره التصاقًا به التصاق أتباع المذاهب بأصحابها.

فبهذا الشعار صار الشرخ أكبر، ومن المعلوم أن أئمة الهدى والفقه والدين في تاريخنا لم يصلحوا خطأ المجتهدين بالخروج من الانتساب للمذاهب، بل كانوا يردون على خطأ الآخر بأقوال الأئمة وأصول اجتهادهم مع بقاء انتسابهم للمذاهب، ولم يحصل أن صار الانتساب للمذاهب المرضية عارًا إلا في زماننا، وهو زمن الجهل ولا شك، ولا خير في أمر لم يهتد إليه السابقون ولم يعملوا به.

نعم، أنا أعلم أن هذا القول قد لا يرضاه الكثير من أهل هذا الزمان، لأنهم يظنون أن من منجزات أهل هذا العصر هو رد"المذهبية"-زعموا-، وكأن في قولي عودة إلى"المذهبية"، هذا مع أنهم يعلمون أن المقلد لا مذهب له، وأن العالم الذي حاز أدوات النظر والبحث لو انتسب لهذا المذهب لن يكون هذا الانتساب سببًا للتقليد بلا علم، ثم هم يعلمون أنهم قد أدخلوا"العوام"في تقليد شيوخهم تحت ستار السنة والدعوة إليها، إذ ظنوا أن مجرد قول العالم المعاصر الحكم ثم معه الحديث الذي ينصره هو الذي يحقق الانتساب للسنة، وكأن السابقين من أصحاب هذه المذاهب لم يكن هذا شأنهم بل كانوا يقولون بلا حديث أو بلا آية، وهذا هو ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت