الصفحة 31 من 54

يشيعونه من التزييف على أهل العلم السابقين، والغريب أن ما صارت إليه المذهبية المرضية في أطوارها البعيدة من فعل المتأخرين من المنتسبين إليها من صنع المتون بلا أدلة هي ما صارت إليه أقوال هؤلاء العلماء المعاصرين في حياتهم وقبل موتهم، فإن متون فقههم واجتهاداتهم صارت في حياتهم، وأما المتون في مذاهب العلماء المشهورين فإنها صارت في الأطوار المتأخرة بعد تلامذتهم وتلامذة أتباعهم.

أما التشنيع على هذه المذاهب مما قاله بعض أهلها من أقوال فإن ما يشنع على المتأخر أكثر، هذا مع أن الكثير مما يزعم المتأخرون أن المتقدم قد أخطأ فيه؛ إنما هو من جهة اجتهادهم في ظنهم الخطأ فيه، وإلا فقد يكون الحق هو ما قاله، وأن ما صححه المتأخرون حديث استشهد به على صحة قوله هو تصحيح غير مرضي وغير سديد.

وأكرر القول أنَّ هذا قول يحتاج إلى مزيد بسط فسأقف هنا إذ هذا ما يتسع له المجال في هذا الموطن، وعسى أن تنشط النفس لرد شعار السلفية مقابل اتباع المذاهب المرضية المشهورة في موطن آخر إن شاء الله تعالى.

ومقام"رفع الذكر"هو مطلب الصالحين والعباد، ومن قول إبراهيم عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] . وقد يشكل هذا على بعض الناس حين يظن تعارض هذا الطلب مع مقام"الخمول والتواضع"، وهو مقام مرغوب في الشرع، حيث يسعى أصحابه للهروب من طلب الذكر، لوضعهم هذا في مقام الإخلاص والهروب من الرياء، والحق أنه لا تعارض بين الأمرين، فأن يسعى المرء للدخول في الصالحين، وأن يدعو له الناس دعاءهم للعلماء والشهداء ليس هو من الرياء، لأن الرياء أن يعمل العمل وهو يبغي رضاهم، ويسعى إلى طلب السمعة والصيت دون نظر إلى الآخرة، لكن من طلب الآخرة بعمله، ثم هو بطلبه هذا يسعى أن يدخل في زمرة الصالحين والعلماء الذين تهتدي الأمة بهم، وتدعو لهم وتترحم عليهم فليس هذا من التسميع والرياء في شيء، ولذلك فإنَّ هذا المرء لو عاداه الناس وسبوه وذموه بما معه من الحق لم يكن ليترك عمله هذا لبغضهم له، وأما الآخر فهو إن خلا عن الناس ترك ما يعمله من الحق، ولو أعرض عنه الناس لتصدى أمامهم بما يرغبون به لصرف وجوههم إليه، ويشهد لهذا أنَّ العلماء الصادقين قد ابتلوا بالمعاصرين في أزمانهم، ووجدوا إيذاءً منهم لقولهم الحق فلم يردعهم هذا عن التمسك بالحق والدعوة إليه، وبتمسكهم هذا علم الناس منهم صدق مقاصدهم، وأنهم لا يبتغون رضى الناس، بل طلبهم رضا الله تعالى؛ فأحبوهم وجعلوهم أئمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت