الصفحة 32 من 54

ومما يدل على طلب علمائنا في الكثير من أعمالهم الدخول في زمرة العلماء أن تأليفات العلماء تكون على ضربين؛ أحدهما: الإفتاء والكتابة في النوازل وضرورات الحال والحياة، والآخر: الكتابة من أجل الدخول في زمرة العلماء، وهناك ضروب أخرى تابعة كالتمرين والتدريب، فهذا الضرب الثاني هو الأكثر الذي نراه من كتب أهل العلم، وأما الضرب الأول وإن كان كثيرًا إلا أنه أقل من الآخر، وقد بارك الله تعالى في هذه الكتب والتأليفات وجعلها أسباب هداية ورشد لأهل عصرهم ومن بعدهم، والناس إنما هم عالة على موائد هؤلاء في هذا الصنف في التفريعات والإفتاء في النوازل، بل قد صارت هذه التأليفات هي دليل علم صاحبها، وشهادة له في الدخول في طبقات أهل العلم المشهود لهم، ثم إن مقياس العلم عند المتأخرين هي كثرة التصنيفات، مع أن هذا لم يكن من مقياس السابقين -رحمهم الله تعالى- بل كان مقياسهم الطلب والرواية والفهم، ولهذا فلكل زمان مقياسه وأدواته.

ومن فقه مقام"رفع الذكر"أن يكون المهتدون من أهل القرآن ألسنة الحق، وذلك بأن يلهجوا بذكر أصحاب هذا المقام من العلماء والدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمجاهدين في سبيل الله تعالى، فإن هذا من الحق الذي يقيمه في ألسنة من يحبهم، فيرفعون من أمر الله برفعه، وخذلان المسلمين لأهل الحق وأصحاب هذا المقام هو خذلان للدين، لأن الدين إنما تكون رفعته في الخلق برفعة أهله، ويكون صفاؤه بصفاء أهله، فيجب ذكر محاسن أصحاب هذا المقام والإغضاء عن زلاتهم، لا كما يقع اليوم، فإن أهل السنة اليوم لو جمعت ما يُقال بينهم عنهم لما احتجت إلى أعدائهم لإسقاطهم وإذهاب مقاماتهم، فهم مشغولون ببعضهم أشد من شغل أعدائهم به، وبعض من يمدح إنما يجعل مدحه في غيره سبيلًا لمدح نفسه وإلا فهو ساكت أو طاعن، وهذا بخلاف ما نراه من أهل الزندقة والبدع في رفع مقامات رجالهم حيث يطلقون عليهم الألقاب والأوصاف، مع أن أهل السنة أولى بذلك في ذكر رجالهم، لكنه داء الحسد الذي دبَّ في القلوب إلا من رحم الله تعالى.

قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } .

بعد أن ذكر الله منّه على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما أعطاه وأجزل عليه، وهي منن المقدمات لعدة السفر إلى الله تعالى بالدعوة إليه وإمامة الناس وإحقاق الحق وتحقيق نصر الدين، وقد تبين ما هو من أمور باطنة كشرح الصدر وإنارة القلب ورفع الوزر والثقل، ومنها ما هو ظاهر في الخلق وهو سعادته في الوجود بجعله من الدين؛ اسمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت