فهرس الكتاب
هذا، وهو أن العسر في الآيتين واحد، لأنه عسر معرف ولذلك فهم يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين، وهو فقه متقدم من الأوائل روي عن التابعي الكبير الحسن البصري -رحمه الله تعالى-.
أما لو بحث باحث عن اليُسرين ما هما مع العسر الواحد لوجد أجوبة متعددة؛ أعلاها قربًا من واقع كل عسر أن كل عسر يكون معه عند حلوله يسر يصاحبه، فإن ذهب هذا العسر وزال استحق هذا الزوال أن يسمى يسرًا خاصًا به.
ولذلك فما من عسر في الوجود يقع على إنسان إلا وهو عسر مخفف بيسر يصاحبه، ومن فقه هذا الأمر أن من شكر الله لما يقع من البلاء أن يحمده سبحانه عليه أنه لم يكن أعظم مما هو عليه، فما من بلاء إلا وفي الوجود أكبر منه، والمؤمن لا يرى بلاءً قد عفا الله عنه فلم يقع عليه أعظم من الكفر كما في الحديث: «وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُقذف في النار» [1] .
فهذا من معاني اليسر المصاحب ابتداءً مع كل عسر، ومن اليسر المصاحب للمؤمن لكل عسر يقع عليه هو إيمانه بالقدر وذلك في قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22، 23] ، فقوله: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} هو من اليسر الذي يقع في القلوب عند حلول العسر.
كذلك من معاني اليسر المصاحب ابتداءً مع العسر أن يرجو المؤمن أجره عليه لقوله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» [2] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشكوة يٌشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» [3] ، فالمؤمن حين يعلم عاقبة العسر وهو فيه يسر عليه فيقوى عليه ولا يكسره.
(1) صحيح البخاري: 1/ 14/ح 16، 16/ 6/2546/ح 6941. أطرافه: 16، 21، 6041. صحيح مسلم: 2/ 12/ح 128.
(2) صحيح مسلم: 18/ 100/ح 7449.
(3) صحيح البخاري: 5/ 2137/ح 5641.