الصفحة 35 من 54

ومن معاني اليسر المصاحب ابتداءً مع العسر أن يعلم المؤمن أن هذا عسر ذاهب لا يدوم، وذلك لما يعلم من القرآن من هذه الآية: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } ، والمرء حين يعلم أن ما هو فيه العسر والضيق والبلاء لا بد أن له زوال هان عليه هذا العسر والبلاء، ولذلك من أشد ما يُعذب به المرء هو اليأس والقنوط، ومن رحمة الله على المؤمنين أن جعل الله اليأس كفرًا كما قال سبحانه على لسان يعقوب الكريم عليه السلام: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ، وإن من فقه هذا الأمر أن طول البلاء يعني اقتراب زواله، وهذا خلاف لما يجهله الكافرون، وهو على الضد من إيحاء الشيطان، فإن غير المؤمن يكون في بداية البلاء في الرجاء أن يزول عنه فإن طال عليه البلاء ذهب هذا الرجال وجاءه القنوط واليأس، والمؤمن على خلاف ذلك، لأنه يعلم أن طول البلاء يعني زوال أيامه واقتراب الفرج، وذلك كالسائر المسافر، فهو كلما طوى مرحلة اقترب إلى مقصده، والمبتلى كلما مضى يوم وهو في البلاء دل على اقترابه من الفرج واليسر، وهذا مما يجعل صبره يزيد، كما يجعل رجاؤه يشتد ويقوى، وإنما يدفع هذا الصبر والرجاء هو الكفر بالله حيث يظن بالله الشر، كأن يكفر بوعده في حصول اليسر بعد العسر، أو أن يظن أن الله قد نسيه -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون، ولذلك فإن اليسر يزيد كلما زاد البلاء على هذا المعنى، فإن زيادة البلاء تدل على قرب الفرج، وهذا مما أشار إليه الإمام التربوي السالك ابن القيم في شرحه لحديث المخلفين الثلاثة، فإنه قال فيما معناه: أن ما وقع عليهم من البلاء في نهاية المطاف، وذلك بمنع نسائهم عنهم دل هذا على قرب الفرج وحصول التوبة، وقد كان.

فاليسر قطرات تبدأ مع العسر في لحظته الأولى، فهي تجتمع حتى تؤتي أكلها في نهاية المطاف، فيقع اليسر الأكبر وذلك بزوال العسر كله، فهذا هو اليسر الآخر الذي استحق الذكر لأن له معنًى خاصًا وحالًا مميزًا، كما أن حال الْمُبتلى به أظهر من غيره من معاني اليسر الأولى فكان أن خُصَّ بالذكر في قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } .

اليسر بعد العسر هو مقام يعيشه المرء كل يوم، كما أن له محطات كبرى يتميز فيها العسر بكبره كما يتميز اليسر بعظمته، والناس فيه لهم حظوظ، فمستكثر ومقل، وأعظم الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وهو أعظم ما منَّ عليهم باليسر، ولما كان بينا هو أعظمهم -بأبي هو وأمي- كان أعظمهم بلاءً كما كان أعظمهم يسرًا حيث قرَّ الله له عينه بالفتح والنصر وكثرة الأتباع والمحبين والمصلين عليه، ولذلك فمقام اليسر يعادل مقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت