فهرس الكتاب
العسر، وهذا من العدل، فلا يرجو المرء يسرًا على المعنى الممدوح بدون عسر يقابله، وإن تحصل له هذا، أي يسر بلا فهو دليل شر على صاحبه كما في الحديث: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يُوافي به يوم القيامة» [1] .
وهذه الآية تدل على أن طلب دفع العسر مرغوب شرعي، كما أنه مطلوب في النفوس العاقلة، فلا يحب البلاء إلا جاهل، إلا أن يكون في البلاء معنى من معاني الرحمة والرزق والخير، كالجهاد في سبيل الله، فإن الله قال فيه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] . لكن تتشوف له النفوس المؤمنة لما فيه من مقامات الخير لأصحابه ولمعاني الخير لدين الله والعالم، وهذا يقرب معنى محبة الصالحين للبلاء، لا لأن العسر والبلاء مرغوب لذاته ولكن لمعاني خاصة فيه، كمن أحب البلاء لأنه دليل القبول والحب من الله تعالى، أو أحبه لما يأتي به من الدعاء والتوحيد والإخبات إلى الله، أو يحبه لتحصيل الدرجات ومغفرة الذنوب، وهي معاني حاصلة في البلاء للمؤمن، وهي مقامات لا تنفي معنى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «وأنا أسأل الله اليقين والعافية» [2] . لأن العافية هي اليسر، والمؤمن يطلبها على المعنى المتقدم؛ أي بعد تحصيل مقاصد الإيمان لا بدونه كما يريدها أهل الخمول والبطالة ممن يهربون من مهمات الطريق مخافة البلاء والعسر، وإيثارًا للعافية على حساب الدين والعرض.
ومن فقه الربط بين هذه القاعدة القدرية وبين المنن الإلهية المقدمة في السورة هو العلم بأن اليسر لا يكون بالمعصية، وأن ما عند الله من الخير والعافية لا يكون خيرًا ولا عافية بلا معاني الإيمان المتقدمة من شرح الصدر بالإيمان ووضع الوزر والثقل ورفع الذكر بين أهل الإيمان فإن حصلت العافية بذلك فهي ليست خيرًا ولا هي عافية ممدوحة بل مكر إلهي يعقبه العذاب والأخذ والاستئصال، ولذلك فإن المتعجلين بتحصيل اليسر على حساب هذه المقدمات الإيمانية هم جهلة بمعنى اليسر الرباني الذي يجريه الله لعبيده فيحصل لهم الشكر لربهم أن آتاهم إياه على طاعته، وهؤلاء إن أتاهم اليسر المتوهم، فهو يسر مع ظلمة في الصدر وضيق فيه، ومزيد ذنوب وترهقهم وتتعبهم كما لا يكون لهم وراثة الحب في القلوب بين أهل الإيمان، بل يحصل لهم الذم
(1) سنن الترمذي: 7/ 103/ح 2438.
(2) جامع المسانيد والمراسيل: 13/ 166/ح 590. قال ابن كثير: لهذا الحديث طرق متصلة ومنقطة تفيد القطع بصحته.