فهرس الكتاب
والتبكيت والكراهية، وهو لعمر الله هو واقع هؤلاء الهاربين من العسر بمعصية الله، إذ حصل لهم هذا وهو قدرهم المعلق لهم في الدنيا.
فالتزام المؤمن بالطاعة والصبر واليقين والثبات في لحظات العسر هو الذي يحقق اليسر قدرًا، ويحقق اجتماع النعم الإلهية المتقدمة رحمة وعطاءً، وإن حصلت المعصية رجاء اليسر للخروج من العسر لم يأت صاحبه إلا عسر أشد منه، وتلك ضريبة المعاصي والخذلان.
ومن العلم القرآن والنبوي أن يعلم المبتلى بالعسر أن الصبر فعل، وهو صبر يأتي به صاحبه ما قدر من الفعل الشرعي للخروج من العسر وإلا فمجرد الصبر هو فعل بذاته يتحقق به الفرج واليسر كما قال الله عن بني إسرائيل: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} [الأعراف: 137] . وأما الصبر على الفعل فهو كقوله - صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر» [1] ، فالأول صبر مجرد بلا طاقة، والثاني صبر على الفعل وهو الجهاد ومحنته.
فالمبتلى بالعسر ليس له في الحالتين إلا الصبر وهو لا بد حاصل على اليسر بعد ذلك أمرًا قدريًا لازمًا، وإنه ليعجبني قول أهل فلسطين وخاصة الأمهات بأبنائهم في سجون اليهود:"السجن لا تُغلق أبوابه". أي لا بد أن تفتح يومًا، وهذه قاعدة فبي كل بلاء، لأن البلاء فعل، فإما أن يقع من فاعل أو جائحة إلهية، فإن كانت من آخر فإن الإرادات تزول وتذهب مهما طال الزمن، والقدرات يصيبها الوهن بفعل الزمن، فهذا الفاعل لا شك ذاهب أو ذاهبة إرادته، وأما إن كانت جائحة سماوية فإن رحمة الله أوسع من أن تدوم هذه الجائحة ولا تزول، وليس هذا من سنن الأقدار، بل إن آيات الأقدار تدل على التبدل والتغيير كالليل والنهار والحياة والموت والصحة والمرض والفقر والغنى.
والفقه بأن الصبر فعل تتحقق به الإرادات هو من الرحمة التي يختص بها أهل القرآن، لأن الناس تفتنهم الظواهر، وهم بضعفهم الإنساني مأسورون بآثارها ونتائجها، ولا يدركون عظم المعاني القلبية وأثرها على الوجود، وإن أعظم ما تتحقق به الآثار إنما هو الصبر، وهو لا يكون على معناه الصحيح إلا بهذه الآية واليقين عليها فَإِنَّ
(1) المستدرك على الصحيحين: 3/ 624/ح 6355.