الصفحة 38 من 54

مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) . لأنه يوقن في كل لحظة من الصبر يعني توهينًا للعسر وإذهابًا لقوته واقترابًا لزواله.

ووقوع العسر في الإنسان قدر لازم له حتى للأنبياء كما قال هرقل لما سمع من أبي سفيان حال القتال بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُدال علينا المرة ونُدال عليه الأخرى"، فإنه قال:"وكذلك الرسل تُبتلى وتكون لها العاقبة" [1] ، وهو من قوله تعالى: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] . ولكم من شأن صاحب البلاء في أمر أن يقع به الوهم أن الْمُبتلى فقط دون الخلق، ولو نظر في أحوال الناس لعلم أن لكل إنسان نصيبه من البلاء، فمنهم من يُبتلى في ماله وولده أو بدنه، وأعظم البلاء هو أن يُصاب المرء في دينه فهي الخسارة الكبرى، ومعرفة المرء بهذا القدر الكوني اللازم للإنسان يهوِّن عليه ما هو فيه، كما يمنعه من الشماتة بالْمُبتلين لأنه إن كان هذا يومهم فإن له يومًا آتيه ولن يخطئه، ولذلك من الحمق الوقوع في الاغترار وعدم الاستعداد للبلاء والعسر، كما أنه من الحمق تمني ترف المترفين وغفلتهم عن العواقب.

وتقلب الإنسان توجب عليه العمل بطاعة الله في كل حال ففي النعمة الشكر، وفي العسر الصبر والرجاء، وهكذا يكون كل أمره له خير، وأعظم ما يعبد المرء به ربه في زمن العسر الصبر واليقين، وعدتهما التوكل على الله تعالى، وبهذا تُقضى الحاجات كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] . ولكن ليتذكر في توكله أن التوكل دواء وهو يؤتي ثماره في وقته المقدر له، ولذلك قال الله عقبها: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] ، وهذا شأن كل سبب يحصل به أثره في وقته الذي قدَّره، كما كان توكل يعقوب عليه السلام وهو القائل: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] ، والقائل: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، فإن أمر صبره امتد إلى وقت عَلِمَه وقدّره الله، كما قال سبحانه: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] . فلا يظن ظان أنه اليسر كله يقع مع العسر ابتداءً، ولكن يقع معه مقدار ثم يزداد حتى يصير إلى نهايته التي قدّرها الله، ولذلك فبين قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } زمن الصبر واليقين وعدتهما التوكل على الله، ثم إن عسره لا بد زائل، فإن زال وهو في طاعة الله فقد نجح في هذا الابتلاء، وإلا فقد ذهب ما به من البلاء وجاءه البلاء في دينه كما وقع لمن أعطى الدنية في دينه رجاء اليسر بمعصية الله تعالى، وترك الحق ومداهنة الأعداء.

(1) صحيح البخاري: 3/ 1075/ح 2874.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت