الصفحة 39 من 54

هذا وقد رأينا أناسًا من العاملين في دين الله وقع بهم البلاء فلم يصبروا ليروا حكمة الله تعالى في هذا البلاء فقالوا كلمة الشر، وصدرت منهم مواقف الضعف، ثم أن كان فتح الله في هذه البلاد أن زال العدو وذهب الشر فلم يحمد لهم حالهم، ولم يُذكروا برفع الذكر أنهم نالوا ما نالوه من اليسر بالصبر واليقين والثبات، بل فاتهم كل هذا الخير، وما وقع هذا إلا بسبب استعجالهم لما عند الله تعالى باليسر حيث طلبوه بالمداهنة والضعف وقلة اليقين والثبات، بل لو صبروا لتحقق لهم المراد ولأتاهم ما سألوه وهم قيام في ميدان الحق والدين.

ولذلك فليعلم الناظر لهذه الآية أن لها فقهًا وأعظمها هو ما تقدم من أدائه واجبات مرحلة العسر، وإلا فقد فاته الأجر ولم يحصل له الخير، وثانيهما أن يعلم سنن التحول القدري من العسر واليسر، وأنه لا يقع على وجه الطفرة والفجأة، بل له سنن يجري فيه حتى يقع الكتاب الذي قدره الله تعالى.

ومن ربط هذا المعنى مع قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) } وما تقدم القول فيها من العلم بقدر الداعي، وما سيلاقيه ثم ما سيجنيه؛ عَلِمَ أن اليسر له سنته لأنه قدر من أقدار الله تعالى لا يقع إلا بسبب، ولا يأتي إلا في زمانه المكتوب له.

ومما يقوى اليقين على هذه الآية -وهي حق لأنها كلمة الله- النظر إلى قصص العِبرة في ذلك، ومن ذلك ما كتب تحت عنوان"الفرج بعد الشدة"فقد ذكر بعض الأخيار التربويين من علماء الإسلام المعاصرين أنه قرأ كتاب التنوخي (الفرج بعد الشدة) أكثر من سبعين مرة، وما كان في هذا المعنى كالكتب التي كتبها أصحاب التجربة في البلاء، وأنا أنصح إخواني بقراءة قصة"السجينة"لمليكة أُوفقير المغربية، وهي وإن كانت لم تهتد [1] بتجربتها الشاقة هذه، ولم تدرك حكمة الله تعالى، كما أن البلاء لم يهدها إلى أقوم أمرها، لكن قصتها هي من مخرج هذا الباب، وهو حصول الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وكذلك أن يتفكر في قصص المعاصرين له، حيث سيرى الكثير من العبر، فالناس قد رأوا من مكث أكثر من ثلاثين سنة في السجن والقيد، ثم صار إلى الفرج، كما صار عدوه إلى مكانه، وهي أحداث كثيرة يُكتب فيها المجلدات.

(1) بل إنها -والعياذ بالله- تنصرت وتزوجت من رجل فرنسي نصراني ابن مُنصرة، وهي تعيش الآن بأمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت