بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فإن الرقي الإنساني نموذجه التام والكامل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد دبَّر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من القضاء الكوني في الأحداث والاختيارات أحب الأمور إليه -سبحانه وتعالى-، وهو مع ذلك كله لم يخرج من الإطار الإنساني المحكوم بسنن الوجود والحياة، فشخصيته النبوية جامعة لاختيار الإنسان المريد والمفعل بالحب والكره والرضا والغضب والعفو والعقوبة مع مراد الله بالحب والرضا، وللوصول إلى هذا المرتقى الإنساني الجامع لإرادة العبد في الاختيار مع إرادة الله تعالى بالحب والقبول لا بد من تحقيق مطلب مهم؛ وهو أن تُعدَّ هذه الشخصية من خلال إرادتها على نحو من النوع الملائم لهذا، هذا النوع هو تجريد الفطرة الإنسانية من علائق التغير لتعود إلى سويتها الأولى من التمام والسلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنسان مريد، وكل مريد له اختياراته، والإنسان صناعة بيئته الطارئة على فطرته السوية السليمة، وبطروئها يحصل التغيير والتبديل والنقص، ولحمل الإنسان إرادته على مراد الله ليحصل التوافق الذي يحقق نموذج الرقي الإنساني لا بد من إصلاح هذا الطروء للعودة إلى سواء الفطرة.
هذه عملية صقل وإعداد، والعابد والداعي والمجاهد والعالم هم وُرَّاث هذا النموذج التام والكامل، وهؤلاء مع إرادتهم ومشيئتهم في تحقيق الحب والرضى الإلهيين إلا أن دخولهم لهذه المراتب لا يكون إلا بالاصطفاء، وهؤلاء وُرَّاث النبوة، ففي كل واحد منهم قبس من نورها، ومعنى من معانيها، تجري في صدورهم المعاني والإرادات من نهر النبوة العظيم، ومن جوامع هذه المعاني أنهم أهل اصطفاء كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] ، وهذه الآية من سورة"فاطر"، وهي سورة موضوعها التنوع؛ تنوع الخلق وتنوع الاصطفاء كذلك، ومن أنواع الاصطفاء أن تتوزع أعمال النبوة سوى الوحي الكامل على عباده الصالحين، وقد قلت:"الوحي الكامل"لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم: «ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات» [1] . ولأن الرؤيا جزء من النبوة كما في الحديث.
(1) المسند: 7/ 526/ح 26735. (سنن الدارمي) : 2/ 123/2139 ح. (صحيح ابن حبان) : 5/ 457/5945. (سنن ابن ماجة) : 2/ 1283/ح 3980. (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) : 7/ 361/ح 11721. عن أم كرز الكعبية رضي الله عنها.