الصفحة 6 من 54

هذا الاصطفاء هو منة إلهية، وهي نعمة ككل نعم الله تعالى على عبيده توجب الملاحظة والإدراك ثم الشكر، والنعم لا يؤدي العبد شكرها حتى يدرك معانيها ويشعر بها ويعرف قيمتها، وهذا الإدراك ليس هو الغرور ولا الادعاء، وهو لا يختلف في نوع عنه إدراك المرء لنعمة المال والصحة وغيرهما من النعم المادية المحسوسة، وككل النعم التي لا يدركها المرء على معنى صحيح فإنها تؤدي إلى التواضع وطلب الإخبات بالشكر والدعاء.

في سورة"الشرح"حديث جامع لهذا الاصطفاء وتنوعه، وقد قسمت السورة الاصطفاء إلى نوعين؛ نوع إزالة لعلائق السلوك الإنساني في مسيرته وحياته، ونوع زيادة لحصول الفرادة للداعي والعامل لدين الله تعالى كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ومع هذا الاصطفاء إرشاد إلى أن المصطفى هو إنسان تجري عليه سنن البشر وتقلبات الدهر وأحداثه، لكن لهذا المصطفى خصوصية العاقبة التي يفترق بها عن غيره من المحرومين، كما أن هذا الاصطفاء لا يعفي المصطفى من سلوك الثبات على الطريق واستمراره عليها، إذ بالدوام يكون ثبات الاصطفاء، وارتفاع إرادة التعبد يعني حرمان صاحبها من هذا الاصطفاء.

لهذه السورة معنى خاص في حياة المؤمن، وآيتها: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } ، شعارهم الذي يتزودون به في رحلتهم إلى اليقين، وهي في أفق حروفها ومطلع تساؤلها داعية غناء وترنم في الخلوة والسرى، فهي غناء للروح والنفس، وغناء للسان والسمع، وهذا مع عظمته فإن المؤمن لا ينبغي له في أثناء دخوله في هذا النور أن يغفل عن بيئة هذا النور والوعد، وهو نفسه وإرادته وسلوكه، وهذه هي معاني الاصطفاء، فإن القرآن لا يعطي الوعد إلا بالحق، وقد فسر هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله عن سورة"الفاتحة"في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» [1] . فإن العطاء لا يكون إلا بالتأهل، وفساد الوعاء مفسد لما بداخله، وفي الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: بينما جبريل قاعد عند النبي. سمع نقيضًا من فوقه. فرفع رأسه. فقال: «هذا باب من السماء فتح اليوم. لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» ، ومن تأمل السورة والخواتيم رأى أنهما لا

(1) صحيح مسلم: 4/ 85/ح 829، 4/ 86/ح 831.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت