فهرس الكتاب
فإما أن يمدنا بالرجال ..
أو يأمرنا بما يشاء فنمضي له .. وكثر كلام الناس في ذلك ..
فقام عبد الله بن رواحة .. ثم صاح بالناس وقال:
يا قوم .. والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون .. الشهادة في سبيل الله .. تفرون منها!!
وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة .. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به .. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين .. إما ظهور وإما شهادة ..
فمضى الناس .. يسيرون ..
حتى إذا دنوا من جيش الروم .. في موقعة"مؤتة"فإذا أعداد عظيمة لا قبل لأحد بها ..
قال أبو هريرة - رضي الله عنه: شهدت يوم مؤتة .. فلما دنا منا المشركون .. رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة .. والسلاح .. والكراع .. والديباج .. والحرير .. والذهب ..
فبرق بصري ..
فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة .. كأنك ترى جموعًا كثيرة؟
قلت: نعم ..
قال: إنك لم تشهد بدرًا معنا .. إنا لم ننصر بالكثرة ..
ثم التقى الناس فاقتتلوا ..
فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كثرت عليه الرماح وسقط صريعًا شهيدًا - رضي الله عنه - ..
فأخذ الراية جعفر بكل بطولة .. فاقتحم عن فرس له شقراء فجعل يقاتل القوم .. وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت ..
فأخذ اللواء بشماله فقطعت ..
فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ..
قال ابن عمر: وقفت على جعفر يومئذ .. وهو قتيل .. فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره ..
فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء ..
إن رجلًا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعته نصفين ..
فلما قتل جعفر .. أخذ عبد الله بن رواحة الراية ..
ثم تقدم بها وهو على فرسه ..
فجعل يستنزل نفسه .. ويتردد بعض التردد .. ويقول:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... مالي أراك تكرهين الجنة
ثم قال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل .. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم ..
شد بهذا صلبك .. فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ..
فأخذه من يده فانتهش منه نهشة .. ثم سمع الحطمة في ناحية الناس ..
فقال: وأنت في الدنيا! فألقاه من يده .. ثم أخذ سيفه ثم تقدم ..
فقاتل حتى قتل - رضي الله عنه - ..
فوقعت الراية .. واضطرب المسلمون .. وابتهج