فهرس الكتاب
قال: أين؟ صاحبك الشيخ عبد الله .. مسافر .. والدكتور أحمد اتصلت به ولم يجب .. أو تريد أن نمر المكتبة التراثية .. أو ..
قلت: كلا .. بل: مستشفى الأمراض العقلية ..
قال: المجانين!! قلت: المجانين ..
فضحك وقال مازحًا: لماذا .. تريد أن تتأكد من عقلك ..
قلت: لا .. ولكن نستفيد .. نعتبر .. نعرف نعمة الله علينا ..
سكت عبد العزيز يفكر في حالهم .. شعرت أنه حزين .. كان عبد العزيز عاطفيًا أكثر من اللازم ..
أخذني بسيارته إلى هناك ..
أقبلنا على مبنى كالمغارة .. الأشجار تحيط به من كل جانب .. كانت الكآبة ظاهرة عليه ..
قابلنا أحد الأطباء .. رحب بنا ثم أخذنا في جولة في المستشفى ..
أخذ الطبيب يحدثنا عن مآسيهم .. ثم قال:
وليس الخبر كالمعاينة ..
دلف بنا إلى أحد الممرات .. سمعت أصواتًا هنا وهناك ..
كانت غرف المرضى موزعة على جانبي الممر ..
مررنا بغرفة عن يميننا .. نظرت داخلها فإذا أكثر من عشرة أسرة فارغة .. إلا واحدًا منها قد انبطح عليه رجل ينتفض بيديه ورجليه ..
التفتُّ إلى الطبيب وسألته: ما هذا!!
قال: هذا مجنون .. ويصاب بنوبات صرع .. تصيبه كل خمس أو ست ساعات ..
قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله .. منذ متى وهو على هذا الحال؟
قال: منذ أكثر من عشر سنوات .. كتمت عبرة في نفسي .. ومضيت ساكتًا ..
بعد خطوات مشيناها .. مررنا على غرفة أخرى .. بابها مغلق .. وفي الباب فتحة يطل من خلالها رجل من الغرفة .. ويشير لنا إشارات غير مفهومة ..
حاولت أن أسرق النظر داخل الغرفة .. فإذا جدرانها وأرضها باللون البني ..
سألت الطبيب: ما هذا؟!! قال: مجنون ..
شعرت أنه يسخر من سؤالي .. فقلت: أدري أنه مجنون .. لو كان عاقلًا لما رأيناه هنا .. لكن ما قصته؟
فقال: هذا الرجل إذا رأى جدارًا .. ثار وأقبل يضربه بيده .. وتارة يضربه برجله .. وأحيانًا برأسه ..
فيومًا تتكسر أصابعه .. ويومًا تكسر رجله .. ويومًا يشج رأسه .. ويومًا .. ولم نستطع علاجه .. فحبسناه في غرفة كما ترى .. جدرانها وأرضها مبطنة بالإسفنج .. فيضرب كما يشاء .. ثم سكت الطبيب .. ومضى أمامنا ماشيًا ..
أما أنا وصاحبي عبد العزيز .. فظللنا واقفين نتمتم: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به
ثم مضينا نسير بين غرف المرضى ..
حتى مررنا على غرفة ليس فيها أسرة .. وإنما فيها أكثر من ثلاثين رجلًا .. كل واحد منهم على حال .. هذا يؤذن .. وهذا يغني .. وهذا يتلفت .. وهذا يرقص ..
وإذا من بينهم ثلاثة قد أُجلسوا على كراسي .. وربطت أيديهم وأرجلهم .. وهم يتلفتون حولهم .. ويحاولون التفلت فلا يستطيعون ..
تعجبت وسألت الطبيب: ما هؤلاء؟ ولماذا ربطتموهم دون الباقين؟
فقال: هؤلاء إذا رأوا شيئًا أمامهم اعتدوا عليه .. يكسرون النوافذ .. والمكيفات .. والأبواب ..