فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 219

لذلك نحن نربطهم على هذا الحال .. من الصباح إلى المساء ..

قلت وأنا أدافع عبرتي: منذ متى وهم على هذا الحال؟

قال: هذا منذ عشر سنوات .. وهذا منذ سبع .. وهذا جديد .. لم يمض له إلا خمس سنين!!

خرجت من غرفتهم .. وأنا أتفكر في حالهم .. وأحمد الله الذي عافاني مما ابتلاهم ..

سألته: أين باب الخروج من المستشفى؟

قال: بقي غرفة واحدة .. لعل فيها عبرة جديدة .. تعال ..

وأخذ بيدي إلى غرفة كبيرة .. فتح الباب ودخل .. وجرني معه ..

كان ما في الغرفة شبيهًا بما رأيته في غرفة سابقة .. مجموعة من المرضى .. كل منهم على حال .. راقص .. ونائم ..

و .. و .. عجبًا ماذا أرى؟؟

رجل جاوز عمره الخمسين .. اشتعل رأسه شيبًا .. وجلس على الأرض القرفصاء .. قد جمع جسمه بعضه على بعض .. ينظر إلينا بعينين زائغتين .. يتلفت بفزع ..

كل هذا طبيعي ..

لكن الشيء الغريب الذي جعلني أفزع .. بل أثور .. هو أن الرجل كان عاريًا تمامًا ليس عليه من اللباس ولا ما يستر العورة المغلظة ..

تغير وجهي .. وامتقع لوني .. والتفت إلى الطبيب فورًا .. فلما رأى حمرة عيني ..

قال لي .. هدئ من غضبك .. سأشرح لك حاله ..

هذا الرجل كلما ألبسناه ثوبًا عضه بأسنانه وقطعه .. وحاول بلعه .. وقد نلبسه في اليوم الواحد أكثر من عشرة ثياب .. وكلها على مثل هذا الحال ..

فتركناه هكذا صيفًا وشتاءً .. والذين حوله مجانين لا يعقلون حاله ..

خرجت من هذه الغرفة .. ولم أستطع أن أتحمل أكثر .. قلت للطبيب: دلني على الباب .. للخروج ..

قال: بقي بعض الأقسام ..

قلت: يكفي ما رأيناه ..

مشى الطبيب ومشيت بجانبه .. وجعل يمر في طريقه بغرف المرضى .. ونحن ساكتان ..

وفجأة التفت إليّ وكأنه تذكر شيئًا نسيه .. وقال:

يا شيخ .. هنا رجل من كبار التجار .. يملك مئات الملايين .. أصابه لوثة عقلية فأتى به أولاده وألقوه هنا منذ سنتين ..

وهنا رجل آخر كان مهندسًا في شركة .. وثالث كان ..

ومضى الطبيب يحدثني بأقوام ذلوا بعد عز .. وآخرين افتقروا بعد غنى .. و ..

أخذت أمشي بين غرف المرضى متفكرًا ..

سبحان من قسم الأرزاق بين عباده ..

يعطي من يشاء .. ويمنع من يشاء ..

قد يرزق الرجل مالًا وحسبًا ونسبًا ومنصبًا .. لكنه يأخذ منه العقل .. فتجده من أكثر الناس مالًا .. وأقواهم جسدًا .. لكنه مسجون في مستشفى المجانين ..

وقد يرزق آخر حسبًا رفيعًا .. ومالًا وفيرًا .. وعقلًا كبيرًا .. لكنه يسلب منه الصحة .. فتجده مقعدًا على سريره .. عشرين أو ثلاثين سنة .. ما أغنى عنه ماله وحسبه .. !!

ومن الناس من يؤتيه الله صحة وقوة وعقلًا .. لكنه يمنعه المال فتراه يشتغل حمال أمتعة في سوق أو تراه معدمًا فقيرًا يتنقل بين الحرف المتواضعة لا يكاد يجد ما يسد به رمقه ..

ومن الناس من يؤتيه .. ويحرمه .. وربك يخلق ما يشاء ويختار .. ما كان لهم الخيرة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت