فهرس الكتاب
ليست الغاية أن نتفق .. لكن الغاية أن لا نختلف ..
53.الرفق .. إلا زانه ..
يتكرر على ألسنتنا كثيرًا عندما نعجب بشخص ما .. أن نصفه قائلين:
فلان رزين .. فلان ثقيل .. فلان راكد ..
وإذا أردنا مذمة شخص قلنا: فلان عجول .. فلان خفيّف ..
أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: ما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه .. [1]
هل تستطيع تحريك طن الحديد بأصبع؟
نعم: إذا أحضرت رافعة .. ثم ربطته برفق .. وأحكمت ربطه ..
ثم رفعته .. فإذا تعلق في الهواء .. حركه بأصغر أصابعك ..
اتفق صديقان على أن يتقدما لرجل لخطبة ابنتيه .. كانت إحداهما أكبر من الأخرى ..
قال أحدهما للآخر: أنا آخذ الصغيرة .. وأنت تأخذ الكبيرة ..
فصاح صاحبه: لااااا .. بل أنت خذ الكبيرة .. وأنا آخذ الصغيرة ..
فقال الأول: طيب .. أنت تأخذ الصغيرة .. وأنا آخذ التي أصغر منها ..
قال: موافق .. !!
ولم يدرك أن صاحبه ما غير قراره .. سوى أنه غير أسلوب الكلام برفق ..
وفي الحديث: إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق .. وإذا أراد الله بأهل بيت شرًا .. نزع منهم الرفق .. [2]
وفيه: إن الله رفيق يحب الرفق .. ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .. وما لا يعطي على ما سواه .. [3]
الرفيق .. الهين اللين .. محبوب عند الناس .. تطمئن إليه النفوس .. وتثق فيه ..
خاصة إذا صاحب ذلك وزن للكلام .. وقدرة على التعامل الرائع ..
من أشهر طلاب علماء الحنفية الإمام أبو يوسف القاضي ..
هو أشهر طلاب أبي حنيفة ..
كان أبو يوسف في صغره فقيرًا .. وكان أبوه يمنعه من حضور درس أبي حنيفة .. ويأمره بالذهاب للسوق لتكسب ..
كان أبو حنيفة حريصًا عليه .. وإذا غاب عاتبه ..
فاشتكى أبو يوسف يومًا إلى أبي حنيفة حاله مع والده .. فاستدعى أبو حنيفة والد أبي يوسف وسألأه: كم يكسب الولد كل يوم؟
قال: درهمان ..
قال: أنا أعطيك الدرهمين .. ودعه يطلب العلم ..
فلازم أبو يوسف شيخه سنين ..
فلما بلغ أبو يوسف سن الشباب .. ونبغ على أقرانه .. أصابه مرض أقعده ..
فزاره أبو حنيفة .. وكان المرض شديدًا متمكنًا منه .. فلما رآه أبو حنيفة حزن .. وخاف عليه الهلاك ..
وخرج وهو يكلم نفسه قائلًا: آآآه يا أبا يوسف .. لقد كنت أرجوك للناس من بعدي!!
ومضى أبو حنيفة يجر خطاه حزينًا إلى حلقته وطلابه
(2) رواه البخاري
(3) رواه البخاري