فهرس الكتاب
إلى شفتيه .. وقال: هذان!!
لا أذكر أني همست في أذن أحد من الناس بسرّ .. واستأمنته إياه .. ثم فاجأني قائلًا: يا محمد .. اسمح لي لا أستطيع أن أكتمه ..
بل كل شخص يضرب بيده صدره .. ويقول: والله لو وضعوا الشمس في يميني .. والقمر في شمالي .. أو السيف على رقبتي .. على أن أخبر بسرك .. ما أخبرت!!
ثم إذا اطمأننت ووثقت .. وكشفت له أسرارك .. تصبّر شهرين أو ثلاثة .. ثم حدث به .. فلا يزال يُتناقل حتى يصلك ..
فوجدت أن سرك لا ينبغي أن يجاوز شفتيك .. فلا تكلف الناس ما لا يطيقون ..
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذي يستودع السر أضيق
جربت كثيرًا من الناس .. فوجدتهم كذلك ..
والمشكلة أنك تأتيهم على سبيل الاستشارة .. فيشيرون عليك .. ثم يفضحون سرك ..
فيسقطون من عينك .. ويصبحون من أبغض الناس إليك ..
ومن أعجب ما في التاريخ ..
أنه قبل معركة بدر ..
لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - .. بقافلة قريش مقبلة وأراد قتالها ..
خرج - صلى الله عليه وسلم - إليها مع أصحابه .. فلما شعر بهم أبو سفيان .. استأجر رجلًا اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري .. وقال اذهب وأخبر قريشًا بالخبر ..
فمضى ضمضم .. مسرعًا إلى مكة .. كان وصوله مكة يحتاج أن يسير أيامًا ..
وأهل مكة لا يدرون عن شيء من ذلك ..
وفي ليلة من الليالي رأت عاتكة بنت عبد المطلب .. رؤيا أفزعتها .. فلما أصبحت بعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب .. فقالت له:
يا أخي .. والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني .. وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة .. فاكتم عليَّ ما أحدثك .. ولا تحدث به أحدًا ..
قال لها: نعم .. وما رأيت؟
قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير .. حتى وقف بوادي"الأبطح".. ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث .. !
فأرى الناس قد اجتمعوا إليه .. ثم مضى فدخل المسجد والناس يتبعونه ..
فبينما هم حوله .. إذ صعد به بعيره فوق الكعبة .. ثم صرخ بمثلها: انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم صعد به بعيره على رأس جبل أبي قبيس .. فصرخ بمثلها:
انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم أخذ صخرة فقذفها من أعلى الجبل .. فأقبلت تهوي من فوق الجبل .. حتى إذا كانت بأسفل الجبل تكسرت ..
فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته كسرة من الصخرة .. فاضطرب العباس وقال: والله إن هذه لرؤيا!
ثم خشي أن تنتشر فيصيبه أذى .. فقال لها محذرًا: وأنت فاكتميها لا تذكريها لأحد ..
ثم خرج العباس منشغل البال بأمر هذه الرؤيا .. فلقي الوليد بن عتبة وسط الطريق .. وكان له صديقًا ..
فحدثه بالرؤيا .. وقال له: اكتمها .. فلا تخبر بها أحدًا ..
فمضى الوليد ..
فلقي ابنه عتبة فحدثه بها ..