فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 219

نعم .. أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ..

بل حتى مع الأعداء الألداء كان - صلى الله عليه وسلم - له خلق عظيم .. كسب به نفوسهم .. وهدى قلوبهم .. ودحر به كفرهم ..

لما ظهر - صلى الله عليه وسلم - بدعوته بين الناس .. جعلت قريش تحاول حربه بكل سبيل ..

وكان مما بذلته أن تشاور كبارها في التعامل مع دعوته - صلى الله عليه وسلم - .. وتسارع الناس للإيمان به ..

فقالوا: أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا .. وشتت أمرنا .. وعاب ديننا .. فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ..

فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ..

فقالوا: أنت يا أبا الوليد ..

وكان عتبة سيدًا حليمًا ..

فقال: يا معشر قريش .. أترون أن أقوم إلى هذا فأكلمه .. فأعرض عليه أمورًا لعله أن يقبل منها بعضها ..

قالوا: نعم يا أبا الوليد ..

فقام عتبة وتوجه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..

دخل عليه .. فإذا - صلى الله عليه وسلم - جالس بكل سكينة ..

فلما وقف عتبة بين يديه .. قال: يا محمد! أنت خير أم عبد الله؟!

فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. تأدبًا مع أبيه عبد الله ..

فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟

فسكت - صلى الله عليه وسلم - .. تأدبًا مع جده عبد المطلب ..

فقال عتبة: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ .. وإن كنت تزعم أنك خير منهم .. فتكلم حتى نسمع قولك ..

وقبل أن يجيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمة .. ثار عتبة وقال:

إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك!! .. فرقت جماعتنا .. وشتت أمرنا .. وعبت ديننا .. وفضحتنا في العرب .. حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا .. وأن في قريش كاهنًا .. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى .. أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ..

كان عتبة متغيرًا غضبانًا .. والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساكت يستمع بكل أدب ..

وبدأ عتبة يقدم إغراءات ليتخلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدعوة .. فقال:

أيها الرجل إن كنت جئت بالذي جئت به لأجل المال .. جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا ..

وان كنت إنما بك حب الرئاسة .. عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسًا ما بقيت ..

وإن كان إنما بك الباه والرغبة في النساء .. فاختر أيَّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا .. !!

وان كان هذا الذي يأتيك رئيًا من الجن تراه .. لا تستطيع رده عن نفسك .. طلبنا لك الطب .. وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه .. فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه ..

ومضى عتبة يتكلم بهذا الأسلوب السيء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ويعرض عليه عروضًا ويغريه .. والنبي عليه الصلاة والسلام ينصت إليه بكل هدوء ..

وانتهت العروض .. ملك .. مال .. نساء .. علاج من جنون!!

سكت عتبة .. وهدأ .. ينتظر الجواب ..

فرفع النبي عليه الصلاة والسلام بصره إليه وقال بكل هدووووء:

أفرغت يا أبا الوليد؟

لم يستغرب عتبة هذا الأدب من الصادق الأمين .. بل قال باختصار: نعم ..

فقال - صلى الله عليه وسلم: فاسمع مني ..

قال: أفعل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت