فهرس الكتاب
التفت - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس .. وقد سمع جلبتهم وأصواتهم .. وسمع صوت من تكلم .. لكنه صوت جديد لم يعتد عليه .. فلم يعرفه .. فسألهم:
من المتكلم .. فأشاروا إلى معاوية ..
فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام إليه ..
فأقبل عليه معاوية فزعًا لا يدري بماذا سيستقبله .. وهو الذي أشغلهم في صلاتهم .. وقطع عليهم خشوعهم ..
قال معاوية - رضي الله عنه: فبأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - .. والله ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه .. والله ما كهرني .. ولا ضربني .. ولا شتمني ..
وإنما قال: يا معاوية .. إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس .. إنما هي التسبيح والتكبير .. وقراءة القرآن .. انتهى .. نصيحة باختصار ..
ففهمها معاوية ..
ثم ارتاحت نفسه .. واطمأن قلبه .. فجعل يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن خواصّ أموره ..
فقال: يا رسول الله .. إني حديث عهد بجاهلية .. وقد جاء الله بالإسلام .. وإن منا رجالًا يأتون الكهان (وهم الذين يدعون علم الغيب) .. يعني فسألونهم عن الغيب ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم .. يعني لأنك مسلم .. والغيب لا يعلمه إلا الله ..
قال معاوية: ومنا رجال يتطيرون (أي يتشاءمون بالنظر إلى الطير) ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: ذاك شيء يجدونه في صدورهم .. فلا يصدنهم (أي لا يمنعهم ذلك عن وجهتهم .. فإن ذلك لا يؤثر نفعًا ولا ضرًا) ..
هذا تعامله - صلى الله عليه وسلم - مع أعرابي بال في المسجد .. ورجل تكلم في الصلاة .. عاملهم مراعيًا أحوالهم .. لأن الخطأ من مثلهم لا يستغرب ..
أما معاذ بن جبل فقد كان من أقرب الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ومن أكثرهم حرصًا على طلب العلم ..
فكان تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أخطائه مختلفًا عن تعامله مع أخطاء غيره ..
كان معاذ يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء .. ثم يرجع فيصلي بقومه العشاء إمامًا بهم في مسجدهم .. فتكون الصلاة له نافلة ولهم فريضة ..
رجع معاذ ذات ليلة لقومه ودخل مسجدهم فكبر مصليًا بهم ..
أقبل فتى من قومه ودخل معه في الصلاة .. فلما أتم معاذ الفاتحة قال"ولا الضالين"فقالوا"آمين"..
ثم افتتح معاذ سورة البقرة!!
كان الناس في تلك الأيام يتعبون في العمل في مزارعهم ورعيهم دوابهم طوال النهار .. ثم لا يكادون يصلون العشاء حتى يأوون إلى فرشهم ..
هذا الشاب .. وقف في الصلاة .. ومعاذ يقرأ ويقرأ ..
فلما طالت الصلاة على الفتى .. أتم صلاته وحده .. وخرج من المسجد وانطلق إلى بيته ..
انتهى معاذ من الصلاة ..
فقال له بعض القوم: يا معاذ .. فلان دخل معنا في الصلاة .. ثم خرج منها لما أطلت ..
فغضب معاذ وقال: إن هذا به لنفاق .. لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي صنع ..
فأبلغوا ذلك الشاب بكلام معاذ .. فقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي صنع ..
فغدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى ..
فقال الفتى: يا رسول الله .. يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطيل علينا الصلاة .. والله يا رسول الله إنا لنتأخر عن صلاة العشاء مما يطول بنا معاذ ..