فهرس الكتاب
فكان جابر دائمًا ساهم الفكر .. منشغل البال بأمر دَينه وأخواته .. والغرماء يطالبونه صباحًا ومساءً ..
خرج جابر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ذات الرقاع .. وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير .. ولم يجد جابر ما يشتري به جملًا .. فسبقه الناس وصار هو في آخر القافلة ..
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسير في آخر الجيش .. فأدرك جابرًا وجمله يدبُّ به دبيبًا .. والناس قد سبقوه ..
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: مالك يا جابر؟
قال: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ..
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أنخه ..
فأناخه جابر وأناخ النبي - صلى الله عليه وسلم - ناقته ..
ثم قال: أعطني العصا من يدك أو اقطع لي عصا من شجرة .. فناوله جابر العصا ..
برَكَ الجمل على الأرض كليلًا ضعيفًا ..
فأقبل - صلى الله عليه وسلم - إلى الجمل وضربه بالعصا شيئًا يسيرًا ..
فنهض الجمل يجري قد امتلأ نشاطًا .. فتعلق به جابر وركب على ظهره ..
مشى جابر بجانب النبي - صلى الله عليه وسلم - .. فرحًا مستبشرًا .. وقد صار جمله نشيطًا سابقًا ..
التفت - صلى الله عليه وسلم - إلى جابر .. وأراد أن يتحدث معه ..
فما هي الأحاديث التي اختارها النبي - صلى الله عليه وسلم - ليثيرها مع جابر ..
جابر كان شابًا في أول شبابه ..
هموم الشباب في الغالب تدور حول الزواج .. وطلب الرزق ..
قال - صلى الله عليه وسلم: يا جابر .. هل تزوجت .. ؟
قال جابر: نعم ..
قال: بكرًا .. أم ثيبًا ..
قال: بل ثيبًا ..
فعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف أن شابًا بكرًا في أول زواج له .. يتزوج ثيبًا ..
فقال ملاطفًا لجابر: هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك ..
فقال جابر: يا رسول الله .. إن أبي قتل في أحد .. وترك تسع أخوات ليس لهن راعٍ غيري .. فكرهت أن أتزوج فتاة مثلهن فتكثر بينهن الخلافات .. فتزوجت امرأة أكبر منهن لتكون مثل أمهن ..
هذا معنى كلام جابر ..
رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمامه شاب ضحى بمتعته الخاصة لأجل أخواته ..
فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يمازحه بكلمات تصلح للشباب .. فقال له:
لعلنا إذا أقبلنا إلى المدينة أن ننزل في صرار [1] .. فتسمع بنا زوجتك فتفرش لك النمارق ..
يعني وإن كنت تزوجت ثيبًا إلا أنها لا تزال عروسًا تفرح بك إذا قدمت وتبسط فراشها .. وتصف عليه الوسائد ..
فتذكر جابر فقره وفقر أخواته .. فقال: نمارق!! والله يا رسول الله ما عندنا نمارق ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: إنه ستكون لكم نمارق إن شاء الله ..
ثم مشيا .. فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يهب لجابر مالًا ..
فالفت إليه وقال: يا جابر ..
قال: لبيك يا رسول الله ..
فقال: أتبيعني جملك؟
تفكر جابر فإذا جمله هو رأس ماله .. هكذا كان وهو كليل ضعيف .. فكيف وقد صار قويًا جلدًا!!
لكنه رأى أنه لا مجال لرد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..
قال جابر: سُمْه يا رسول الله .. بكم؟
(1) موضع على بعد 5كم من المدينة