فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 219

جعلت قريش ترسل إليه الرجل تلو الرجل للتفاوض معه ..

فبعثوا إليه أولًا مكرز بن حفص ..

كان مكرز رجلًا من قريش .. لكنه لا يلتزم بعهد ولا ميثاق .. بل هو فاجر غادر ..

فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلًا قال: هذا رجل غادر ..

فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. كلمه بما يصلح لمثله ..

وأخبره أنه ما جاء يريد حربًا .. إنما جاء معتمرًا .. ولم يكتب معه عهدًا لأنه يعلم أنه ليس أهلًا لذلك ..

رجع مكرز إلى قريش فأخبرهم ..

فبعثوا حليس بن علقمة .. سيد الأحابيش ..

وكان الأحابيش قوم من العرب سكنوا مكة تعظيمًا للحرم وعناية بالكعبة ..

فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

إن هذا من قوم يتألهون. ز أي يتعبدون .. فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه ..

فلما رأى الهدي من إبل وغنم .. تسيل عليه من عرض الوادي في قلائده وحباله مربوطًا مهيئًا ليذبح في الحرم ..

قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله .. قد أضناه الجوع والعطش ..

لما رأى سيد الأحابيش ذلك .. انتفض .. ولم يقابل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعظامًا لما رأى .. وكيف يمنع المعتمرون عن البيت الحرام!!

رجع إلى قريش .. فقال لهم ذلك .. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك ..

فغضب الحليس .. وقال:

يا معشر قريش .. والله ما على هذا حالفناكم .. ولا على هذا عاهدناكم ..

أيصد عن بيت الله من جاءه معظمًا له؟

والذي نفس الحليس بيده .. لتخلن بين محمد وبين ما جاء له من العمرة .. أو لأنفرن بالأحايش نفرة رجل واحد ..

قالوا: مَهْ .. كُفَّ عنا .. حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به ..

ثم أرادوا .. أن يبعثوا رجلًا شريفًا .. فاختاروا عروة بن مسعود الثقفي ..

فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم .. من التعنيف وسوء اللفظ .. وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد ..

قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم ..

فخرج عروة .. وكان ملكًا في قومه .. له شرف ومكانة .. وله ترفع على الناس ..

فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس بين يديه ثم قال:

يا محمد!! أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟

إنها قريش .. قد خرجت معها العوذ المطافيل .. قد لبسوا جلود النمور ..

يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا .. وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا ..

وكان أبو بكر خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - .. واقفًا ..

فقال أبو بكر: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟

تفاجأ ملك قومه بهذا الجواب .. فلم يتعود على مثله .. لكنه في الحقيقة كان يحتاج إلى جرعة كهذه تخفض ما في رأسه من كبرياء ..

فقال عروة متأثرًا: من هذا يا محمد؟

قال: هذا ابن أبي قحافة ..

قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكفأتك بها .. ولكن هذه بهذه ..

وجعل عروة يلين العبارات بعدها .. ويكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - .. ويلمس لحية النبي .. والمغيرة بن شعبة الثقفي واقف وراء رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. قد غطى وجهه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت