فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 219

مر بقوم أن يطيلوا النظر إلى جلده .. لأن هذا يذكره بمصيبته فيحزن ..

وفي موقف غاية في المراعاة واللطف يتعامل - صلى الله عليه وسلم - مع والد أبي بكر - رضي الله عنهم - ..

فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما أقبل بجيوش المسلمين إلى مكة لفتحها ..

قال أبو قحافة أبو أبي بكر - رضي الله عنهم - .. وكان شيخًا كبيرًا .. أعمى .. قال لابنة له من أصغر ولده:

أي بنية .. اظهري بي على جبل أبي قبيس لأنظر صدق ما يقولون .. هل جاء محمد؟ ..

فأشرفت به ابنته فوق الجبل .. فقال: أي بنية ماذا ترين؟

قالت: أرى سوادًا مجتمعًا مقبلًا ..

قال: تلك الخيل ..

قالت: وأرى رجلًا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا ..

قال: أي بنية ذلك الوازع الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ..

ثم قالت: قد والله يا أبتِ انتشر السواد ..

فقال: قد والله إذًا دفعت الخيل ووصلت مكة .. فأسرعي بي إلى بيتي .. فإنهم يقولون من دخل داره فهو آمن ..

فانحطت الفتاة به مسرعة من الجبل ..

فتلقته خيل المسلمين .. قبل أن يصل إلى بيته ..

فأقبل أبو بكر إليه ..

فاحتفى به مرحبًا ..

ثم أخذ بيده يقوده .. حتى أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ..

فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فإذا شيخ كبير .. قد ضعف جسمه .. ورق عظمه .. واقتربت منيته ..

وإذا أبو بكر - رضي الله عنه - .. ينظر إلى أبيه .. وقد فارقه منذ سنين .. وانشغل عنه بخدمة هذا الدين ..

التفت إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال مطيبًا لنفسه .. ومبينًا قدره الرفيع عنده:

هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟!

كان أبو بكر يعلم أنهم في حرب .. قائدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وأن وقته أضيق .. وأشعاله أكثر من أن يتفرغ للذهاب لبيت شيخ يدعوه للإسلام ..

فقال أبو بكر شاكرًا: يا رسول الله .. هو أحق أن يمشي إليك .. من أن تمشي أنت إليه ..

فأجلس النبي عليه الصلاة والسلام .. أبا قحافة بين يديه .. بكل لطف وحنان ..

ثم مسح على صدره ..

ثم قال: أسلم ..

فأشرق وجه أبي قحافة .. وقال: أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ..

انتفض أبو بكر منتشيًا مسرورًا .. لم تسعه الدنيا فرحًا ..

تأمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجه الشيخ .. فإذا الشيب يكسوه بياضًا .. فقال - صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا من شعره .. ولا تقربوه سوادًا ..

نعم كان يراعي النفسيات في تعامله ..

بل إنه - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة قسم جيشه إلى كتائب .. وأعطى راية إحدى الكتائب .. إلى الصحابي البطل سعد بن عبادة - رضي الله عنه - ..

كانت الراية مفخرة لمن يحملها .. ليس له فقط بل له ولقومه ..

جعل سعد ينظر إلى مكة وسكانها .. فإذا هم الذين حاربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وضيقوا عليه .. وصدوا عنه الناس ..

وإذا هم الذين قتلوا سمية وياسر .. وعذبوا بلالًاُ وخبابًا ..

كانوا يستحقون التأديب فعلًا ..

هز سعد الرايية .. وهو يقول: اليوم يوم الملحمة **

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت