فهرس الكتاب
وما من شيء أهم إليّ .. من أن أموت .. فلا يصلي عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - .. أو يموت .. فأكون من الناس بتلك المنزلة .. فلا يكلمني أحد منهم .. ولا يصلي عليَّ ..
فبينما أنا على ذلك ..
إذ سمعت صوت صارخ .. على جبل سلع بأعلى صوته يقول:
ياااااا كعب بن مالك! .. أبشر ..
فخررت ساجدًا .. وعرفت أن قد جاء فرج من الله ..
وأقبل إليَّ رجل على فرس .. والآخر صاح من فوق جبل ..
وكان الصوت أسرع من الفرس ..
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني .. نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه .. والله ما أملك غيرهما ..
واستعرت ثوبين .. فلسبتهما ..
وانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فتلقاني الناس فوجًا .. فوجًا ..
يهنئوني بالتوبة .. يقولون: ليهنك توبة الله عليك ..
حتى دخلت المسجد .. فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس بين أصحابه .. فلما رأوني والله ما قام منهم إليَّ إلا طلحة بن عبيد الله .. قام فاعتنقني وهنأني .. ثم رجع إلى مجلسه .. فوالله ما أنساها لطلحة ..
فمشيت حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ..
وهو يبرق وجهه من السرور .. وكان إذا سُرَّ استنار وجهه .. حتى كأنه قطعة قمر ..
فلما رآني قال: أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ..
قلت: أمن عندك يا رسول الله .. أم من عند الله؟
قال: لا .. بل من عند الله .. ثم تلا الآيات ..
فجلست بين يديه ..
فقلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله .. وإلى رسوله ..
فقال: أمسك عليك بعض مالك .. فهو خير لك ..
فقلت: يا رسول الله! إن الله إنما نجاني بالصدق .. وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت ..
نعم .. تاب الله على كعب وصاحبيه .. وأنزل في ذلك قرءانًا يتلى ..
فقال عز وجل:
{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ..
والشاهد من هذه القصة .. أن طلحة - رضي الله عنه - لما رأى كعبًا قام إليه واعتنقه وهنأه .. فزادت محبة كعب له .. حتى كان يقول بعد موت طلحة .. وهو يحكي القصة بعدها بسنين: فوالله لا أنساها لطلحة ..
وماذا فعل طلحة حتى يأسر قلب كعب؟ فعل مهارة رائدة .. اهتمَّ به .. شاركه فرحته .. فصار له عنده حظوة ..
الاهتمام بالناس ومشاركتهم في مشاعرهم يأسر قلوبهم ..
لو كنت في زحمة الامتحانات .. ووصلت إلى هاتفك المحمول رسالة مكتوب فيها .. بشرني عن امتحاناتك والله إن بالي مشغول عليك وأدعو لك، صديقك: إبراهيم ..
أليس ستزداد محبتك لهذا الصديق؟ بلى ..
ولو كان أبوك مريضًا في المستشفى .. فبقيت معه في غرفته وأنت مشغول البال عليه .. واتصل بك صديق