فهرس الكتاب
ووالله ما كلمني كلمة .. ولا سمعت منه غير استرجاعه ..
حتى أناخ راحلته .. فوطئ على يديها .. فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعًا يطلب الناس ..
فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدوني حتى أصبحنا .. فوجدناهم نازلين .. فبينما هم كذلك .. إذ طلع الرجل يقود بي البعير ..
فقال أهل الإفك ما قالوا .. وارتجَّ العسكر .. ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ..
ثم قدمنا المدينة .. فلم ألبث أن مرضت واشتكيت شكوى شديدة .. وأنا لا يبلغني من كلام الناس شيء ..
وقد انتهى الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى أبويَّ .. وهم لا يذكرون لي منه قليلًا ولا كثيرًا .. إلا أني قد أنكرت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض لطفه بي ..
كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي .. فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ..
بل كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك ..
حتى وجدت في نفسي .. فلما رأيت جفاءه لي قلت:
يا رسول الله .. لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني ..
قال: لا عليك ..
فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان .. حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ..
فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت خالة أبي بكر - رضي الله عنه - ..
فوالله إنها لتمشي معي إذ تعثرت في مِرطها .. وسقطت أو كادت ..
فقالت: تعس مسطح ..
قلت: بئس لعمر الله ما قلت .. تسبين رجلًا قد شهد بدرًا؟
فقالت: أي هنتاه .. أولم تسمعي ما قال؟ أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ..
قلت: وما الخبر؟
فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ..
قلت: أوقد كان هذا؟
قالت: نعم والله لقد كان ..
فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت .. فازددت مرضًا إلى مرضي ..
فوالله ما زلت أبكي .. حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي ..
وقلت لأمي: يغفر الله لك .. تحدث الناس بما تحدثوا يه .. ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا ..
قالت: أي بنية خففي عليك الشأن .. فوالله لقلَّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها .. ولها ضرائر إلا كثّرن .. وكثّر الناس عليها ..
قلت: سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت .. لا يرقأ لي دمع .. ولا أكتحل بنوم ..
ثم أصبحت أبكي ..
هذا حال عائشة .. تتهم بذلك وهي الفتاة التي لم يتجاوز عمرها خمس عشرة سنة ..
تتهم بالزنا .. وهي العفيفة الشريفة .. زوجة أطهر الناس .. التي ما كشفت سترها .. ولا هتكت عرضها .. هذا حالها تبكي في بيت أبويها ..
أما حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فلا يبعد حزنًا وهمًا .. عن عائشة ..
فلا جبريل يرسل .. ولا القرآن ينزل .. ويبقى - صلى الله عليه وسلم - متحيرًا في أمره .. وقد كبر عليه اتهام المنافقين ..