فهرس الكتاب
ثم بكيت ليلتي المقبلة لا ترقأ لي دمعه ولا أكتحل بنوم ..
وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ..
فأقبل يحث الخطى إلى بيت أبي بكر ..
فاستأذن .. ودخل عليها وعندها أبوها وأمها .. وامرأة من الأنصار ..
وهي أول مرة يدخل فيها بيت أبي بكر .. منذ قال الناس ما قالوا .. وما رأى عائشة منذ قرابة الشهر .. وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شيء في شأن عائشة ..
دخل - صلى الله عليه وسلم - على عائشة ..
فإذا طريحة الفراش .. وكأنها فرخ منتوف من شدة البكاء والهم ..
وإذا هي تبكي .. والمرأة تبكي معها .. لا يملكان من الأمر شيئًا ..
فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال:
أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا .. وذكر - صلى الله عليه وسلم - خبر الإفك .. وما أشيع من وقوعها في خطأ كبير .. ثم أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لها أن الإنسان مهما وقع في خطأ فإن معالجة هذا الخطأ ليست صعبة .. فقال لها:
فإن كنت بريئه فسيبرئك الله عز وجل ..
وإن كنت ألممت بذنب .. فاستغفري الله عز وجل وتوبي إليه .. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب .. تاب الله عليه ..
هكذا .. حل سهل للخطأ - إن كان قد وقع - دون تعقيد وتطويل ..
قالت عائشة:
فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته .. قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ..
وانتظرت أبويَّ أن يجيبا عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يتكلما ..
فقلت لأبي: أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال ..
فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -! ..
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..
فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -!
ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام ..
فلما استعجما علي .. استعبرت فبكيت؟
ثم قلت: لا .. والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا ..
إني والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به .. ولئن قلت لكم إني بريئة - والله عز وجل يعلم إني بريئة - لا تصدقوني ..
وإن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - تصدقوني ..
وإني والله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} ..
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ..
وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ..
ولكن والله ما كنت أظن أن يَنزِلَ في شأني وحيٌ يتلى ..
ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى ..
ولكن كنت أرجو أن يرى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله عز وجل بها ..
فوالله ما برح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسه .. ولا خرج من أهل البيت أحد ..
حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه .. وأنزل الله على نبيه ..
فأما أنا حين رأيته يوحى إليه .. فوالله ما فزعت ..