فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 219

لله .. [1]

إذن .. كان - صلى الله عليه وسلم - يغضب .. لكنه غضبه لله .. لا يغضب لنفسه .. وحتى نفهم الفرق بين الغضبين:

افرض أن ولدك الصغير جاءك ذات صباح وطلب ريالًا أو ريالين مصروفًا للمدرسة .. فبحثت في محفظة نقودك .. فلم تجد إلا فئة الخمسمائة ريال .. فأعطيتها له .. وقلت:

هذه خمسمائة ريال .. اصرف منها ريالين .. وأرجع الباقي .. وأكدت عليه وكررت ..

فلما رجع بعد الظهر فإذا المال كله قد صرفه ..

فماذا ستفعل؟ .. وكيف سيكون غضبك .. ؟ قد تضرب وتعنف وتمنعه من مصروفه أيامًا ..

ولكن لو رجعت مرة من صلاة العصر ووجدته يلعب بالكمبيوتر .. أو عند التلفاز .. ولم يصل في المسجد .. فهل ستغضب كغضبك الأول؟

أظننا نتفق أن غضبنا ألول سيكون أشد وأطول وأكثر تأثيرًا من غضبنا الثاني ..

أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان غضبه لله ..

وكان يعرض النصيحة أحيانًا ولا تقبل .. فياخذ الأمر بهدووووء .. فالهداية بيد الله ..

قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك على حدود الشام ..

اقترب من مملكة الروم .. فبعث دحية الكلبي - رضي الله عنه - رسولًا إلى هرقل ملك الروم ..

وصل دحية - رضي الله عنه - إلى هرقل .. دخل عليه .. ناوله كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..

فلما أن رأى هرقل الكتاب دعا قسيسي الروم وبطارقتها .. ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال:

"قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم .. وقد أرسل إليَّ أن يدعوني إلى ثلاث خصال .. يدعوني:"

-أن أتبعه على دينه ..

-أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ..

-أو نلقي إليه الحرب ..

ثم قال هرقل:

والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن أرضنا .. فهلمَّ فلنتبعه على دينه .. أو نعطيه مالنا على أرضنا ..

فلما سمع القساوسة ذلك .. ورأوا أنه يدعوهم لترك دينهم! غضبوا .. ونخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم .. أي سقطت أرديتهم من شدة الغضب والانتفاض!!

وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية .. أو نكون عبيدًا لأعرابي جاء من الحجاز.!!

أسقط في يد هرقل .. وأيقن أنه تورط بعرضه عليهم ..

وكان هؤلاء القساوية لهم سطوة وجمهور قوي ..

فعلم هرقل أنهم إن خرجوا من عنده .. أفسدوا عليه الروم ..

فجعل يهدئهم .. ويقول: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ..

كان هرقل يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الذي بشر به عيسى - صلى الله عليه وسلم - ..

فأراد أن يتأكد من ذلك ..

دعا هرقل رجلًا من عرب قبيلة"تجيب".. كان من نصارى العرب ..

وقال له:

ادع لي رجلًا حافظًا للحديث .. عربيَّ اللسان .. أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ..

مضى ذاك التجيبي .. وجاء برجل من بني تنوخ .. من نصارى العرب ..

(1) رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت