فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 219

دفع هرقل كتابًا لهذا التنوخي ليوصله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وقال له: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ..

فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال:

-انظر هل يذكر صحيفته إلى التي كتب بشيء .. ؟

-وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل؟

-وانظر في ظهره هل به شيء يريبك؟

مضى التنوخي كفارقًا للشام .. حتى وصل إلى تبوك ..

فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس بين ظهراني أصحابه .. محتبيًا على الماء ..

فوقف التنوخي عليهم .. وقال: أين صاحبكم؟

قيل: ها هو ذا ..

فأقبل يمشي حتى جلس بين يديه ..

فناوله كتاب هرقل ..

فأخذه - صلى الله عليه وسلم - .. فوضعه في حِجْره .. ثم قال:"ممن أنت".. ؟

قال: أنا أخو تنوخ ..

فقال - صلى الله عليه وسلم:"هل لك إلى الإسلام .. الحنيفية .. ملة أبيك إبراهيم؟"

كان - صلى الله عليه وسلم - راغبًا في دخول هذا الرجل في الإسلام ..

في الحقيقة لم يكن هناك ما يمنع التنوخي من اتباع الحق .. إلا التعصب لدين قومه .. فحسب!!

فقال التنوخي بكل صراحة: إني رسول قوم .. وعلى دين قومي .. لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم ..

فما رأى - صلى الله عليه وسلم - هذا التعصب .. لم يغضب .. ولم يعمل مشكلة .. وإنما ضحك وقال:

"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين"..

ثم قال - صلى الله عليه وسلم - بكل هدوء:

يا أخا تنوخ ..

-إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه والله ممزقه وممزق ملكه ..

-وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرق ملكه ..

-وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها .. فلن يزال الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خير".."

تذكر التنوخي وصية هرقل .. وقال في نفسه: هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ..

فخشي أن ينساها .. فأخذ سهمًا من جعبته فكتبها في جنب سيفه ..

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناول الصحيفة رجلًا عن يساره ..

فقال التنوخي: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟

قالوا: معاوية ..

بدأ معاوية - رضي الله عنه - يقرأ .. فإذا هرقل قد كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم:

تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين!! فأين النار؟

فقال - صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ‍أين الليل إذا جاء النهار".

فانتبه التنوخي أن هذه الثانية التي أمره هرقل بترقبها .. فأخذ سهمًا من جعبته فكتبه في جلد سيفه ..

فلما أن فرغ معاوية من قراءة الكتاب ..

التفت - صلى الله عليه وسلم - إلى التنوخي .. الذي لم يقبل النصح .. ولم يدخل في الدين .. وقال له متلطفًا:

إن لك حقًا وإنك لرسول .. فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها .. إنا سِفْر مُرمِلون ..

يعني أتمنى أن أعطيك هدية .. لكننا كما ترانا مسافرين جالسين على الرمال!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت