فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 219

الرجل اللحم وحده ..

ثم قال: يا أشعب! قم ضع اللحم في القدر واطبخ الطعام .. فقال: يتعبني كثرة النظر إلى الطعام قبل نضوجه ..

فتولى الرجل الطبخ والنفخ .. حتى جهز الطعام وقد تعب .. فاضجع على الأرض .. وقال: يا أشعب! قم جهز سفرة الطعام .. وضع الطعام في الصحن ..

فقال أشعب: جسمي ثقيل ولا أنشط لذلك ..

فقام الرجل وجهز الطعام ووضعه على السفرة ..

ثم قال: يا أشعب! قم شاركني في أكل الطعام ..

فقال أشعب: قد استحييت والله من كثيرة اعتذاري وها أنا أطيعك الآن .. ثم قام وأكل!!

فقد تلاقي من الناس من هو مثل أشعب .. فلا تحزن .. وكن جبلًا ..

كان المربي الأول - صلى الله عليه وسلم - يتعامل مع الناس بعقله لا بعاطفته .. كان يتحمل أخطاء الآخرين ويرفق بهم ..

وانظر إليه - صلى الله عليه وسلم - وقد جلس في مجلس مبارك يحيط به أصحابه ..

فيأتيه أعرابي يستعينه في دية قتيل .. قد قتل - هو أو غيره -رجلًا .. فأقبل يريد من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعينه بمال .. يؤديه إلى أولياء المقتول ..

فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا .. ثم قال تلطفًا معه: أحسنت إليك؟

قال الأعرابي: لا .. لا أحسنت ولا أجملت ..

فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه .. فأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم أن كفوا ..

ثم قام - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله .. ودعا الأعرابي إلى البيت فقال له:

إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت ..

ثم زاده - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من مال وجده في بيته ..

فقال: أحسنت إليك؟

فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا ..

فأعجبه - صلى الله عليه وسلم - هذا الرضى منه .. لكنه خشي أن يبقى في قلوب أصحابه على الرجل شيء .. فيراه أحدهم في طريق أو سوق .. فلا يزال حاقدًا عليه ..

فأراد أن يسلَّ ما في صدورهم ..

فقال له - صلى الله عليه وسلم: إنك كنت جئتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت .. وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء .. فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي .. حتى يذهب عن صدورهم ..

فلما جاء الأعرابي .. قال - صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال .. وإنا قد دعوناه فأعطيناه .. فزعم أنه قد رضي ..

ثم التفت إلى الأعرابي وقال: أكذاك؟

قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا ..

فلما هم الأعرابي أن يخرج إلى أهله ..

أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي أصحابه درسًا في كسب القلوب .. فقال لهم:

إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه .. فاتبعها الناس .. يعني يركضون وراءها ليمسكوها .. وهي تهرب منهم فزعًا .. ولم يزيدوها إلا نفورًا .. فقال صاحب الناقة:

خلوا بيني وبين ناقتي .. فأنا أرفق بها وأعلم بها ..

فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قشام الأرض .. ودعاها ..

حتى جاءت واستجابت .. وشد عليها رحلها .. واستوى عليها ..

ولو أني أطعتكم حيث قال ما قال .. دخل النار ..

يعني لو طردتموه .. لعله يرتدّ عن الدين .. فيدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت