الصفحة 11 من 31

وأما ما روي عن يحيى بن يعمر وعكرمة مولى ابن عباس فأجيب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أنه غير صحيح، قال أبو عمرو الداني: هذا الخبر لا يقوم بمثله حجة، ولا يصح به دليل من جهتين:

إحداهما: أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسل، لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئًا ولا رأياه ·

والثاني: أن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان رضي الله عنه، لما فيه من الطعن عليه مع محله من الدين ومكانه من الإسلام وشدة اجتهاده في بذل النصيحة، وهو الذي تولى جمع المصحف مع الصحابة الأخيار ليرتفع الإختلاف في القرآن بينهم، ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنًا وخطأً يتولى تغييره من يأتي بعده، وهذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله، ولا يحل لأحد أن يعتقده (1) ·

الجواب الثاني: أن ما ورد من الإشارة إلى اللحن في القرآن ينبغي النظر إليه في ضوء معنى كلمة اللحن وقت ورود الخبر، والذي يظهر أن استعمال اللحن بمعنى الخطأ لم يكن شائعًا في الفترة التي ترجع إليها هذه الرواية (2) ، ومن المعاني التي يطلق عليها اللحن اللغة وطريقة الكلام، إذ تشير مجموعة من النصوص المروية أن من بين معاني اللحن اللغة أو القراءة، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه: أبيّ أقرؤنا وإنَّا لندع بعض لحنه أي قراءته (3) · وإذا حمل الخبر الوارد عن عثمان -إن صح- على هذا المعنى كان المراد أن في القرآن من أوجه اللغة وطرائق القراءة، ما ستظهره العرب على ألسنتها في ضوء رسم القرآن الكريم ·

وقد عقب السيوطي رحمه الله على هذه الآثار فقال: هذه الآثار مشكلة جدًا، وكيف يظن بالصحابة أولًا أنهم يلحنون في الكلام فضلًا عن القرآن وهم الفصحاء اللّد، ثم كيف يظن بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه، ثم كيف يظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبيههم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهى عن تغييره، ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف؟ هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة (1) ·

4 -أن الاختلاف الذي حصل بين الصحابة في رسم القرآن في عهد عثمان في كتابة (التابوت) و (يتسنّه) دليل على أن الرسم ليس توقيفًا وإلا لما حصل هذا الاختلاف (2) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت