الصفحة 6 من 31

توقيفي بأن كتبه الصحابة على ما تيسر لهم كما زعم البعض، لزم أن يكون سبحانه وتعالى أنزل هذه الكلمات بالهاء، ثم كتبها الصحابة لجهلهم بالخط يومئذ بالتاء، ثم تبعتهم الأمة خطأً ثلاثة عشر قرنًا، وهذا يتنافى مع وعد الله بحفظه، وإذا كان ذلك كذلك كان خبره تعالى كاذبًا، وكذب خبره تعالى باطل، فبطل ما أدى إليه، وهو كون رسم هذه الكلمات ونظائرها بلا توقيف نبوي، إذا بطل هذا ثبت نقيضه، وهو كون الرسم العثماني توقيفًا، وهو المطلوب (1) ·

وأجيب بأن الاستدلال فيه نظر من وجهين:

أ- أن أصحاب هذا القول أقروا بوجود مخالفة، فبنوا حكمهم على قياس مقلوب، حيث جعلوا الرسم الحديث المتأخر أصلًا قاسوا عليه الرسم المصحفي المتقدم، فحكموا عليه بالمخالفة على مذهب من يجعل أحكامه بأثر رجعي، وليس الأمر كذلك ·

ب- أن القرآن الكريم نزل مقروءًا لا مكتوبًا، فينتفي بهذا المحظور الذي ذكروه، فلو نزلت الكلمات التي أوردوها مكتوبة بالهاء، وكتبها الصحابة بالتاء لسلم لهم قولهم، ولكنها نزلت مقروءة وقرئت بالتاء لوصلها فكتبت على الوصل لا على الخط (2) ·

5 -أن تمييز الكلام يقتضي تمييز الرسم، فكما أن القرآن منفرد بنظمه وأسلوبه ومصدره عن سائر كلام البشر، فيجب أن يكون منفردًا في رسمه عما سواه من الكلام (3) ·

وأجيب بأن القرآن نزل مقروءًا، واكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر بكتابته دون أي تدخل منه، ولم يثبت أن كتابات العرب قبل الإسلام وإبان نزوله كانت تختلف عن كتابة الصحابة للمصحف، فبطلت بذلك دعوى التمييز (4) ·

والفريق الثاني: ذهبوا إلى أن رسم المصحف اصطلاح ارتضاه عثمان رضي الله عنه وتلقته الأمة بالقبول، فيجب الأخذ به، ولا تجوز مخالفته، وهذا قول أكثر أهل العلم (1) ·

فقد روى أبو عمرو الداني (2) بسنده أن أشهب قال: سئل مالك فقيل له أرأيت من استكتب مصحفًا اليوم أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ قال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى، قال أبو عمرو: ولا مخالف له من علماء الأمة (3) ·

وقال الهيتمي بعد ذكر كلام الإمام مالك رحمه الله: قال بعض القراء ويسند إلى مالك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت