اتفق الصحابة رضي الله عنهم عليه كذلك اتفق من بعدهم من التابعين وتابعيهم، فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، ولم ينقل أن أحدًا منهم استبدل به رسمًا آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف، ونشاط التدوين وتقدم العلوم، بل بقي الرسم العثماني محترمًا متبعًا في كتابة المصحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه (1) ·
ويناقش هذا الدليل بعد التسليم بالاجماع المذكور لأمرين:
1 -أن إجماع الصحابة كان قائمًا -وما يزال- على سلامة النص القرآني من أي نقص أو تغيير أو خلل في ترتيب، أما رسم المصحف فتشير كل الدلائل إلى أن ما جاء فيه واقع كتابي تميزت به الكتابة العربية في تلك الفترة، فلا يقال والحالة هذه إن كتبة الوحي تعمدوا كتابة المصحف على غير المعهود عندهم، وإن الصحابة الكرام رأوا في رسم المصحف تميزًا عن غيره من الكتابات في عصرهم، ومع هذا انعقد إجماعهم عليه (2) ·
2 -أن بعض العلماء من التابعين وتابعيهم أجازوا النقط، والحركات، والهمز، وعلامات الوقف، والوصل، وترقيم الآيات، وغيرها، ونقل أبو عمرو الداني اتفاق المسلمين عليها (3) ، وذلك ليس بموجود في الرسم العثماني مما يدل على عدم وجود إجماع في المسألة ·
القول الثاني فيه تفصيل:
وهو أنه إذا كان سيكتب المصحف لعموم الناس فيكتب بالرسم العثماني، وأما للصغار الذين يتعلَّمُونَ القرآن فيكتب لهم حسب الرسم المعتاد، وهذا القول مروي عن الإمام مالك · قال ابن القاصح (1) : قال مالك وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأسًا، وأما الإمام من المصاحف الكبار فلا (2) ·
وقد رجحه فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (3) ، وألحق به بعض العلماء المعاصرين كتابة القرآن في الكتب والمجلات والصحف والأجزاء القرآنية ونحوها (4) ·
وأدلة هذا القول بوجوب التزام الرسم العثماني ما سبق في أدلة القول الأول ·
وأما الترخيص بكتابته للصغار على الرسم الإملائي فلئلا يخطئوا في قراءتهم ·
القول الثالث:
إن رسم المصحف اصطلاحي تجوز مخالفته، ممن ذهب إلى ذلك أبو بكر الباقلاني (5) ، وابن