المسلمين في مجال العقيدة فرض الإسلام على أتباعه عدم الإصطدام مع أهل الكتاب حين الحديث معهم، وأن يكون الحوار إيجابيًا على سبيل التعاون المحمود على الخير بالإقناع غير المغرض بلا تدافع ولا تضاد .. هكذا أمرنا الله تعالى حين يقول: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت:46) وقد جلس النبي الكريم سيدنا محمد ? في محاورات تدور بين الطول والقصر مع أخلاط المخالفين للإسلام .. وكانت مجادلته لهم تفيض بالسماحة والتوادد كما علمه الله عز وجل {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران:64) ، ومن تأمل توجيهات القرآن الكريم في شأن التجادل في المسائل الإعتقادية مع غير المسلمين لوجد أنها ترسِّخُ في نفس المسلم أعمق معاني التسامح الديني عامة .. وذلك كما ورد في سورة"الكافرون"، إذ الحوار فيها يبدأ بمحاولة الإقناع العقلي وبيان وجهة النظر التي لا تتغير فإذا انتهى الحوار دون قبولٍ من الآخر فلترتفع جلسة النقاش على وُدٍّ وسلامٍ وبيان مطلق الحرية في استبقاء كل فريقٍ على اعتقاده {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون:6) . وحرصًا على إدامة جوِّ التآلف والإحترام المتبادل مع كافة الأطراف المخالفة فقد أمر الإسلام أتباعه باجتناب السبِّ والمهاترة والتجريح في مجادلاتهم مع غيرهم قال الله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ علم} (الأنعام: من الآية108) وذلك سدًا لأي منفذٍ يفتح أبواب الشقاق والصراع وحرصًا على دوام العلاقات المتوازنة مع الآخرين. بل ويعلمنا الإسلام غض الطرف عما يبدو من المخالفين لنا في الإعتقاد حتى وإن أبدوا الإساءة لنا قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} (الجاثية: من الآية14) . ولعل الصورة قد بدت عن قربٍ ووضوحٍ بأن التسامح الإسلامي في مجال الإعتقاد أمرٌ غير مسبوقٍ في دينٍ ولا ملةٍ أخرى أو نظامٍ وضعيٍّ باجتهادٍ بشريٍّ .. وذلك أمرٌ عرفته أمة الإسلام ومارسته على أرض الواقع على مر السنين والعصور. (( 2 ) )التسامح الإسلامي في مجال التعايش الإجتماعي حرص الإسلام على أن يعيش أتباعه في جوٍ من التفاهم والمسالمة مع مخالفيهم، هذا؛ ولم تحفل أي شريعةٍ أخرى ببيان دقائق الأحكام والوصايا في النظم الإجتماعية كما اهتمت شريعة الإسلام وأرست في أفهام المسلمين قواعد الحق والواجب سواءً أكان المسلم يعيش في مجتمعٍ إسلامي أو غير إسلامي .. وعلى سبيل المثال نتعرف على ما يلي: أولًا: إباحة طعام أهل الكتاب علمنا الإسلام أن اختلاف العقيدة لا يحول دون الضيافة والتعارف والصلة، وأحلَّ الله تعالى لنا أن نأكل من طعام أهل الكتاب وأحل لنا ذبائحهم التي يذكونها على اعتبار أنهم أهل كتاب قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} (المائدة: من الآية5) . وقد كان النبي ? يقبل الدعوة إلى موائد أهل الكتاب والمشركين، ومن المشهور أن امرأةً يهوديةً تدعى"زينب بنت الحارث"زوجة"سلام بن مشكم"من بني النضير قد استغلت قبوله الدعوة صلى الله عليه وسلم للطعام عندها ودست له السم في ذراع الشاة. *** ثانيًا: إباحة الزواج من الكتابيات أباح الإسلام للمسلمين أن يتزوجوا من النساء الكتابيات توثيقًا للروابط وإحياءً لمعاني الود والمسالمة والتسامح قال الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (المائدة: من الآية5) . ومن المعلوم عندنا قدسية رابطة الزواج لدرجة أن القرآن الكريم قد وصف عقد الزواج بالميثاق الغليظ حين قال: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: من الآية21) ، وقد طبق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر فتزوج من اليهود صفية بنت حيي بن أخطب زعيم بني النضير وصارت أمًا للمؤمنين، وأنجب ? ابنه إبراهيم من مارية القبطية التي أهداها له المقوقس عظيم القبط في مصر. *** ثالثًا: التهادي مع غير المسلمين أباح الإسلام التهادي بين المسلمين وغيرهم نظرًا لما في التهادي من معاني البر والإقساط عملًا بقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8) ومن الإقساط والبر الإهداء إليهم وقبول الهدية منهم، [فقد روى البخاري وغيره أن النبي ?كان يقبل الهدية ويثيب عليها، وقد قبل هدية ملك إيلة وهي بغلة بيضاء فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة، وأن"أكيد رومة"أهدى إلى النبي ? جبة سندس وأهدى إلى المقوقس جارية ... نخرج من هذا إلى القول بجواز هدية المشركين والإثابة عليها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل وأنه لا مانع من قبول هداياهم] (خالد محمد عبد القادر/ فقه الأقليات الإسلامية - على موقع www.islamweb.net ) . وقد ورد عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه ذبح شاة فقال: أهديتم لجاري اليهودي فإني سمعت رسول الله ? يقول: {ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه} (الوادعي في الصحيح المسند 797 بسندٍ صحيح) . *** رابعًا: إفشاء السلام مع غير المسلمين من أعظم سمات دين الإسلام أنه دين السلام ولهذا فإن أتباعه يدركون قيمة الود والوئام الإجتماعي ويسلكون في سبيل ذلك دروب السماحة بإفشاء السلام مع كل الناس حتى مع غير المسلمين [فقد كان ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه يلقي السلام على غير المسلمين ويقول: إنه حق الصحبة، وكان أبو أمامة رضي الله تعالى عنه لا يمر على مسلمٍ ولا كافرٍ إلا سلَّم عليه، فقيل له في ذلك فقال: أمرنا أن نفشي السلام، وبمثل ذلك كان يفعل أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، وكتب ابن عباسٍ لرجلٍ من أهل الكتاب"السلام عليك"، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقول: لا بأس أن نبدأهم بالسلام] (السابق بتصرف) . هذه حضارة الإسلام شاهدةً من خير القرون على أن الجو العام في صدر الإسلام كان يزخر بآيات السماحة والود بين الأخلاط المتباينة من