المسلمين وغيرهم، ولا تزال هذه السماحة ساريةً بإذن الله رب العالمين إلى يومنا هذا. *** خامسًا: زيارة غير المسلمين وبدافع التسامح وحسن العشرة نجد أن الإسلام لم يقف في سبيل إنماء العلاقات الودية مع غبر المسلمين بل ندب أتباعه إلى زيارتهم على سبيل المجاملة أو الرد على زيارةٍ سابقة أو عيادة المرضى منهم، فقد ورد أنه {كان غلام يهودي يخدم النبي ? فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار} (صحيح البخاري 1356بسندٍ صحيحٍ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه) . وقد عاد النبي الكريم ? عمه أبا طالبٍ في مرض وفاته عرض عليه الإسلام في الخبر المشهور. *** سادسًا: تعزيتهم عند حدوث مكروه ومن المشاركات الإجتماعية التي حبذ إليها الإسلام أيضًا تعزية غير المسلمين إذا حدث لهم مكروهٌ كموتٍ أو فقدٍ أو حريقٍ أو ما شابه ذلك انطلاقًا من القاعدة الشهيرة"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، والتاريخ حافلٌ بمثل هذه الصور الحية النابضة بأعمق معاني التسامح. وتنقل كتب السيرة موقفًا يفيض بالسماحة النادرة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: {مرت بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا له، فقلنا يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟ قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا} (صحيح البخاري 1311 بسندٍ صحيحٍ) ، [وهذا دليلٌ على مقدار ما يراه نبي الإسلام ? من المساواة بين الناس جميعًا بلا فرقٍ بين عقائدهم وأجناسهم، وهي سماحةٌ لا تجدها إلا في الإسلام إذا فهمناه على وجهه الصحيح] (د. محمد يوسف موسى / الإسلام وحاجة الإنسانية إليه ص218 - إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية / وزارة الأوقاف المصرية / القاهرة 1424هـ - 2003 م) . *** سابعًا: حرمة إيذاء الذميين نهى الإسلام عن إيذاء الذميين"أهل الكتاب في المجتمع الإسلامي"أو ظلمهم بأي وجه، ففي الحديث الشريف: {ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى صدره} (السخاوي في الأجوبة المرضية 3/ 436 وإسناده جيد) ، ومن الطبيعي أن الإسلام قد حذر أشد الحذر من قتله، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ? قال: {من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما} (صحيح البخاري 3166 بسندٍ صحيحٍ) ، وفاقت سماحة الإسلام في سموها كل تصورٍ حيث يأمر النبي الكريم ? بحفظ حرمات أهل الكتاب حين قال: {أيحسب أحدكم متكئًا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن؟ ألا و إني و الله قد أمرت و وعظت و نهيت عن أشياء إنها لمثل هذا القرآن، أو أكثر، و إن الله عز وجل لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، و لا ضرب نسائهم، و لا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم} (الألباني في السلسلة الصحيحة 883 وقال: إسنادٌ حسنٌ) . وهكذا نرى أن الإسلام قد أقام جسور الودِّ والتعايش السلمي بكل طريقةٍ ممكنةٍ، بل دفع جميع أفراد المجتمع إلى التعاون على الخير بغض النظر عن اعتقادهم فقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: من الآية2) ، ولهذا؛ فقد كان من أول أعمال النبي الكريم ? في المدينة النبوية بعد الهجرة أن عقد وثيقة الأمن العام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وعهدًا مع جميع أطياف اليهود القاطنين المدينة وعواليها بكل طوائفهم. ومن استنطق التاريخ الإسلامي وجد جواهر الأخلاق الحسان للأفراد والمجتمعات الإسلامية وهي تقدم كل يومٍ عطاءً جديدًا في معنى التسامح مع غير المسلمين من لدن زمن النبي الكريم ? وإلى يومنا هذا ومرورًا بكل العصور التي مضت على الأمة الإسلامية بلا استثناء. وسنقف على صورتين من ذلك لعدم الإطالة: الأولى: [روى أبو يوسف في كتاب الخراج أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى شيخًا ضريرًا يسأل"يطلب الصدقات"، ولما عرف أنه يهودي أخذ بيده وذهب به إلى منزله - منزل عمر - وأعطاه شيئًا من المال ثم قال لخازن بيت المال: أنظر هذا وضرباءه"أمثاله"فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، وكتب كتابًا إلى الولاة يقول فيه: أيما ذميّ ضعف عن العمل وصار أهل ملته يتصدقون عليه عيل هو وعياله ما داموا تحت رعاية المسلمين] (بيانٌ للناس من الأزهر الشريف ص234 ج 1 - إصدار وزارة الأوقاف المصرية - مصر 1993م) . الثانية: اشتكت امرأةٌ من أقباط مصر إلى عمر بن الخطاب والي مصر - ساعتها- عمرو بن العاص رضي الله عن الجميع أنه [قد أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها، فيسأل عمرًا - أي يسأل عمرو بن العاص- عن ذلك؟ فيخبره أن المسلمين قد كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة، وقد عرض عليها عمرو ثمن هذه الدار وبالغ في الثمن فلم ترض مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخالها في المسجد ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت، ومع أن هذا تبيحه قوانيننا الحاضرة، وهي حالةٌ يُعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يرض ذلك وأمر عمرًا أن يهدم البناء الجديد من المسجد ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت. هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها، فإذا بنا نشهد من دروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلًا في تاريخ العصور حتى العصر الحديث] (د. مصطفى السباعي / من روائع حضارتنا ص221، 222 - إصدار: الإتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية - الكويت) . إضافةً إلى ذلك فالواقع ناطقٌ بآلاف الشواهد على سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين في أنك تسمع نداءات المآذن في بلاد الإسلام ومعها أجراس الكنائس على بساط التآلف في نسيجٍ واحدٍ يمثل التعايش السلمي في أبهى حلله، وذلك في جل بلاد الإسلام والعروبة مثل مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وغيرها من البلاد .. ولعل وجود المسيحيين ذاتهم آمنين منذ دخول الإسلام هذه