الصفحة 4 من 7

البلاد على كنائسهم وممتلكاتهم لدليلٌ شاهدٌ على تلك الروح الإسلامية الفياضة بالسماحة. (( 3 ) )التسامح الأخلاقي وقت الحروب من الأعراف البشرية العالمية أن الحروب لا تتقيد أبدًا بالأخلاق، هذا شأن كل الأمم إلا المسلمين الذين يستمدون حضارتهم من سماحة دينهم، ومهما قلَّب الإنسان أوراق التاريخ أو تفرس في الواقع حتى يظفر بنموذجٍ عمليِّ في باب التسامح وقت الحروب فإنه لن يجد إلا الإنتهاكات الصارخة لكل معاني الإنسانية، ناهيك عن المبادئ الصادرة من الدين ذاته. وقد تعامل المسلمون في كل وقتٍ وحتى ساعة الحرب التي يتخلى فيها الإنسان عن مبادئه، والتزموا بذلك واشتهروا به، ومع شواهد عملية تبين ذلك: أولًا: العفو العام يوم الفتح فهذا يوم الفتح العظيم الذي نصر الله تعالى فيه عبده وأعز جنده، ويدخل فيه النبي ? مكة فاتحًا لها باسم الإسلام ويكسر الأصنام ويتملى ذات الوجوه التي عاندته وعذبت أصحابه وأخرجوهم من وطنهم الأثير، لو أن التاريخ أنبأنا أن رسول الله ? أمر بإعدام من وقفوا في سبيل دعوته لكان هذا منتهى العدل، والواقع يشهد بذلك والمنطق أيضًا، لكن سماحة الإسلام قد تجلت في التعامل مع المخالفين بفيضٍ من التسامح والعفو حيث يسألهم النبي الكريم ? [يا معشر قريش: ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ. فقال: أقول لكم كما قال يوسف لإخوته"لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" (يوسف: من الآية92) اذهبوا فأنتم الطلقاء] (صفي الرحمن المباركفوري / الرحيق المختوم ص 39 / دار إحياء التراث، وانظر مختصر سيرة ابن هشام ص146 ج 2، إصدار وزارة الأوقاف المصرية ط 7/ 2004م) . *** ثانيًا: وصايا ومن وصايا رسول الله ? لقادة الجيوش عند الحروب نتعرف أيضًا على سماحة هذا الدين والتزامه بها، ومن ذلك وصيته ? لجند الإسلام في مؤتة: {اغزوا باسم الله. وفي سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا} (صحيح مسلم 1731 سندٍ صحيحٍ عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه) ، وفي روايةٍ أخرى: {انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخنا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا؛ فإن الله يحب المحسنين} (الألباني في تخريج مشكاة المصابيح 3883 بسندٍ ضعيفٍ عن أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه) ومن وصايا الصديق أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه لقائد الجيش الإسلامي أسامة بن زيدٍ رضي الله تعالى ومن معه من الجنود: [لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأةً ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، وسوف تمرون بأقوامٍ قد فرغوا أنفسهم في الصوامع"يريد الرهبان"فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له] (الإسلام وحاجة الإنسانية إليه ص254"سابق") وبمثل هذه المعاني أوصى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هذا هو الإسلام كما صوره الواقع على مر التاريخ الإسلامي كله تنفيذًا لأمر الله تعالى ولهدي نبيه الكريم ?، فأين هذه المبادئ السمحة الكريمة من واقع الحياة المرير الذي يعجُّ باختلال موازين العدل والإنصاف من تقتيلٍ للأبرياء من الطاعنين في السن والأطفال والنساء ودك المدن وتدمير العمران وتشريد العباد وسحق كرامتهم وآدميتهم في السجون واعتقالهم بلا ذنبٍ ولا جريرة؟!. *** ثالثًا: أين يصلي عمر؟ وهناك موقفٌ شهيرٌ لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يبرز تفوق المسلمين في ميدان التسامح إلى حدٍّ كبير، وخصوصًا إبان المواجهات الفاصلة. فبعد أن فتح الله على المسلمين مدينة القدس المباركة في زمان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يروي التاريخ أنه قدم إلى المدينة المقدسة [وخطب في الجموع الحاشدة مستهلًا خطبته بقوله: يا أهل إيلياء"اسم القدس القديم"لكم ما لنا وعليكم ما علينا .... الخ، ثم دعاه البطريرك"صفرونيوس"لتفقد كنيسة القيامة فلبى دعوته، ثم أدركته الصلاة وهو فيها، فالتفت إلى البطريرك وقال له: أين أصلي؟ فقال له: صلِّ مكانك. فقال: ما كان لعمرٍ أن يصليَ في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون: هنا صلَّى عمر ويبنون عليه مسجدًا وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى، وجاء المسلمون من بعده وبنوا على مصلاّه مسجدًا وهو قائمٌ على رمية حجرٍ من كنيسة القيامة إلى يومنا هذا] (الشيخ عبد اللطيف مشتهري / المسجد الأقصى ومعركة الفتح والنصر ص 26 دار الإعتصام / القاهرة- مصر) . ولا تزال الكنيسة باقية على حالها حتى الآن، وقد استكثر عمر من فرط سماحته الدينية أن يصلي فيها حتى لا يتواثب المسلمون عليها بعده، فأي دليلٍ سماحة المسلمين أكثر من هذا؟. وللحقيقة نؤكد بأن رصيد العالم من التسامح عند الحروب ضئيلٌ جدًا إن لم يكن معدومًا وخصوصًا عند اختلاف العقيدة، ولا شك أن التسامح الديني عطاءٌ موقوفٌ بامتيازٍ على الإسلام وأهله. *** رابعًا:/ حكمها .. رحمةٌ ونعمةٌ ويروي التاريخ أيضًا أنه [لما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز وفد إليه قومٌ من أهل"سمرقند"فرفعوا إليه أن قتيبة بن مسلمٍ قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدرًا بغير حق، فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا فإذا قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا، فنصب لهم الوالي"جميع بن حاضر الباجي"قاضيًا ينظر في شكواهم، فحكم القاضي وهو مسلمٌ بإخراج المسلمين! على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك وينابذهم وفقًا لمبادئ الحرب الإسلامية حتى يكون أهل سمرقند على استعدادٍ لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتةً، فلما رأى أهل سمرقند رأوا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالةٍ تنفذها الدولة على جيشها وقائدها قالوا: هذه أمةٌ لا تحارب، وإنما حكمها رحمةٌ ونعمةٌ، فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي وأقروا أن يقيم المسلمون بين أظهرهم .. أرأيتم .. جيشٌ يفتح مدينةً ويدخلها فيشتكي المغلوبون للدولة المنتصرة فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر ويأمر بإخراجه ولا يدخلها بعد ذلك إلا أن يرضى أهلها! أرأيتم في التاريخ القديم والحديث حربًا يتقيدُ أصحابها بمبادئ الأخلاق والحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت