كما تقيد به جيش حضارتنا؟ إني لا أعلم في الدنيا كلها مثل هذا الموقف لأمةٍ من أمم الأرض] (من روائع حضارتنا 145/ 146"سابق") . ولو استرسلنا في بيان شهادة التاريخ على سماحة الإسلام والمسلمين وقت الحروب مع غيرهم لضاق بنا هذا العرض الموجز، ولكننا ألمحنا بوقائع تاريخية مسجلة سطرها الزمان بكل الإجلال والتقدير للإسلام وأهله. (( 4 ) )اعْتِرافاتٌ مُنْصِفةٌ وبيانًا للحقيقة التي تفرض نفسها على الجميع سنقف على نماذج من شهادات غير المسلمين في إثبات سماحة هذا الدين وأتباعه. على أننا لا نستمد ثقتنا من غيرنا، ونحن على يقينٍ من سماحة ديننا، ولكن لا بأس أن نستأنس بهذه الإعترافات ونهديها بِلاَ وُدٍّ إلى من يذيع ويشيع قالات السوء الكاذبة عن الإسلام والمسلمين. *** أولًا: رسالةٌ من وادي الأردن [لما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن بقيادة أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه كتب أهالي هذه البلاد المسيحيون إلى العرب يقولون: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، إنكم أوفى لنا وأرأف وأكف عن ظلمنا وأحسن ولايةً علينا] (الإسلام وحاجة الإنسانية إليه ص 227"سابق") . *** ثانيًا: تسامحٌ يبسطه المنتصرون وهذا اعتراف عالمٍ مشهورٍ من علماء الغرب الذين أفنوا أعمارهم في دراسة الإسلام وتاريخه، وإذا به بعد مسافاتٍ مطوَّلةٍ من التطواف في أغوار التاريخ الإسلاميِّ يخرج رأسه من بين الكتب ويذكر"السير توماس أرنولد"في كتابه"الدعوة إلى الإسلام"ما نصه مترجمًا: [ويمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأن القوة لم تكن عاملًا حاسمًا في تحويل الناس إلى الإسلام، فمحمدٌ - ? - نفسه قد عقد حلفًا مع بعض القبائل المسيحية وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمنٍ وطمأنينةٍ ... ويقول أيضًا: ومن الأمثلة التي قدمناها آنفًا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرون الأولى من الهجرة واستمر في الأجيال المتعاقبة، نستطيع أن نستخلص بحقٍ أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيارٍ وإرادةٍ حُرَّةٍ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعاتٍ مسلمةٍ لشاهدٌ على هذا التسامح] (محمد قطب / شبهاتٌ حول الإسلام ص 211 / إصدار: الإتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية - الكويت 1993م) . *** ثالثًا: مناصب رفيعة لغير المسلمين وثمة اعترافٍ آخر لعالمٍ أمريكي مشهور هو"المستر داربر"الذي يقول: [إن المسلمين الأولين في زمان الخلفاء لم يقتصروا على في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الإحترام، بل فوضوا لهم كثيرًا من الأعمال الجسام، ورقوهم في مناصب الدولة، حتى إن"هارون الرشيد"وضع جميع المدارس تحت رقابة"حنا بن ماسويه"، ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم ولا الدين الذي وُلِد فيه بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة] (من روائع حضارتنا ص 131"سابق") . هكذا عاش غير المسلمين في أحضان دولة الإسلام ناعمين بالأمن بل بالتميز والرقيِّ. *** رابعا: احترامٌ متبادَلٌ وقد ألهم أهل الإسلام غيرهم من الأمم فيضًا من روح التسامح وذلك باعتراف الفرنسي"رينو"بما ذكره في تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط [إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى كما أن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون الخنزير] (السابق 132) ، سبحان الله .. لقد تأثر الأجانب بروح التسامح وردوا الخير لأهله من أثر الإحتكاك المباشر مع المسلمين. مخازي عاشتها البشرية وقد كنا نتمنى أن تسود روح المحبة والود والتسامح أرجاء المعمورة في كل العصور لأن ذلك من مطالب الإسلام العظمى. وقد طبق المسلمون ذلك - كما سبق - على مر التاريخ إلا أن الأغيار من شتى الملل والنحل والمذاهب واللغات قد اشتط بهم التعصب الديني والمذهبي وأفرز كثيرٌ من واقعهم نكباتٍ ومآسٍ يندى لها جبين الإنسانية ضد المسلمين من غيرهم، بل اضطهد بعضهم البعض بصورةٍ وحشيةٍ تدعو إلى العجب الشديد في شكل مذابح وحروبٍ ومحاكم تفتيش مما يؤكد بجلاءٍ أن هؤلاء لم يتعرفوا يومًا على التسامح الديني ولم يمارسوه. *** تفاصيل الصورة عن قرب فهذه هند بنت عتبة - قلب إسلامها- تمثل بجسد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وتبقر بطنه وتلوك كبده في صورةٍ فجةٍ تبرز التعصب والكيد والإنتقام. وقد سيطرت فكرة سطوة المنتصر على المهزوم فكان الويل للمغلوبين المقهورين بشتى صور الإذلال مع التخير والإنتقاء لأكثر المناظر إثارةً عند تنفيذ أحكام الإعدام، وعندئذٍ؛ كان الجلد يسلخُ والضحية على قيد الحياة ثم يحشى هذا الجلد بالتبن ويعلق الجسم على مكانٍ بارزٍ. إضافةً إلى أن أقوامًا آخرين يستحلون دماء غيرهم من المخالفين لهم في الإعتقاد إما بالقتل أو الذبح أو الإستنزاف مع خلط هذا الدم بطقوسهم الدينية. وقد شهد التاريخ أيضًا بوقوع أبشع أنواع القتل والتنكيل في العصور الوسطى [فقد أُحرِق"برونو"لمجرد أنه تابع"جاليليو"في القول بدوران الأرض حول الشمس .. وهذا مما حدا برجال الثورة الفرنسية الفرنسية أن يقولوا في واحدٍ من شعاراتهم الثورية منذ أكثر من مائتي عامٍ"اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، رامزين بهذا الشعار إلى القضاء على رجال الكنيسة الذين سيطروا على ضمائر الشعوب وعلى الملوك الإقطاعيين الذين سيطروا على أجسام رعاياهم واستعبدوهم، إضافةً إلى ما كانت تقوم به الكنيسة في القرون الوسطى في الغرب من تعذيبٍ مؤلمٍ لمن تحوم حوله الظنون حيث كانت الكنيسة تحفر حفرةً عميقةً وتغرس فيها أسياخًا مدببة الرؤوس ثم يلقى فيها الضحايا فتنغرس رؤوس الأسياخ المدببة في أجسادهم ويظلون فوقها تنزف دماؤهم حتى الموت .. أليس هذا إرهابًا لم يسبق له مثيلٌ في تاريخ البشرية جمعاء؟!] (د. عبد العظيم المطعني / مقال بعنوان"ضوابط حرية الإعتقاد في الإسلام"مجلة الأزهر ص573 العدد"41"السنة"75"- ربيع الآخر 1422هـ يوليو 2002م - إصدار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف - القاهرة - مصر) . هذه ألوان الصورة الطبيعية عن قربٍ تظهر التفوق الحضاري