هذا ما أذكره من كثير عجيب ولكن علينا نحن أمّا على الله فلا يحتاج الأمر إلاّ لقوله عزّ وجل"كن ... فيكون".
قصة طبيب يروي عن أيّام قضاها في مدينة المساجد
ومن مصادر أخرى قصة طبيب يروي عن أيّام قضاها في مدينة المساجد علمته من الدروس ما لم ولن تعلمه إيّاه أي أكاديميّة فيقول جزاه الله كل خير:
بضعة أيّام قضيتها في مدينة المساجد، علمتني من الدروس والعبر ما لم أتعلمه في سنوات عمري من الكتب والمواعظ، لمست دروسًا في الجهاد والإيمان غيّرت الكثير من مفاهيمي. قضيت هذه الأيام القليلة في بناية متهاوية بنيت في الستينات من القرن الماضي، أطلق عليها اسم المستشفى البديل، حيث اضطر الكادر الطبي بالمدينة لاستخدامها كمستشفى نظرًا لتدمير المستشفى الرئيس وقطع الطريق المؤدية إليه، فهو يقع على الضفة الثانية من النهروالمبنى هذا عبارة عن ممر مفتوح من الجانبين، استعمل كاستقبال للجرحى وفرز الحالات وتصنيفها، وغرفتين جانبيتين صغيرتين جدًا استغلتا كصالتي عمليات كبرى، وهي طبعًا تفتقد إلى أدنى الظروف الضرورية، حتّى لضماد الجروح البسيطة.
وكانت هناك صالة سينما قديمة بجانب ذلك المبنى استخدمت كصالة عناية مركزة بعد العمليات، وقد تعاون كل أهل المدينة بجلب الأسرَّة والفُرُش من بيوتهم، وجمع الأطباء كل ما يمكن جمعه من عياداتهم الخاصة، وفتحت الصيدليات الخاصة كل محتوياتها لخدمة الجميع، حتّى أصحاب المطاعم بالبلدة تطوعوا لطبخ الطعام للمرضى وللكادر الطبي، تكاتف رائع لمسته بين جميع سكّان المنطقة، كلٌ من موقعه، والجميع كان يقف داعمًا للمجاهدين محتضنًا إياهم.
توالت ساعات الليل والنّهار والقصف مستمر وأصوات الطائرات والقصف العنقودي ومدافع الهاون وأصوات تبادل إطلاق النار مستمر بالرغم من تحدثهم عن هدنة .. !!
في ساعات النهار كنا نحاول أن نستطلع الدمار الذي ألحقه القصف الوحشي بالمدينة الآمنة، فكنّا نرى خرابًا ودمارًا وأشلاء لنساء وأطفال لم يكن لهم من ذنب إلاّ أنهم من سكان هذه المدينة الأبيّة الصامدة. شاهدنا المقاومين ينتشرون في شوارع البلدة بأجسادهم النحيلة وملابسهم البسيطة، يحملون أسلحتهم ويتربصون بالعدو، ولا يمنعهم هذا الاستعداد لنيل إحدى الحسنيين من المساعدة في إخلاء الجرحى وإخلاء الضعفاء من أهل المدينة إلى أماكن أكثر أمنًا. كانوا يكبّرون تارة ويهللون أخرى ويقرءون القرآن أحيانًا كثيرة، وكل منهم يتوعد بألاّ يسمح للعدو أن يدنس مدينته ومساجدها إلاّ على جسده.
كانت ساعات الليل أصعب بكثير، فالظلام يلف المدينة وتنيرها أضواء الانفجارات والحرائق والقنابل المضيئة، حتّى المستشفى البسيط الذي كنا فيه لم يسلم من القصف، فقد سقطت قذيفة في ساحته، وحمدًا لله أنها لم تنفجر.