بدوري إحداها وقد بقيت الرائحة قوية فيها حتّى بعد مرور فترة طويلة.
كثيرة هي البطولات التي سمعت عنها هناك، فالكل كان يحمل السلاح، حتّى النساء وقفن بوجه المحتل وأذقنه الهول والخسران، لذا حاولوا الانتقام من نساء العراق جميعًا بنشر الصور الحقيرة لتعذيب النساء في معتقلاتهم.
أخبرني أحدهم بأنه لم يتدرب على السلاح ولم يستعمله من قبل، لكنه وجد نفسه مرغمًا على حمل سلاح بسيط وتصويبه على إحدى السمتيات، وبصيحة: الله أكبر أطلق النار، ففوجئ بها تحترق وتتهاوى لضربته، فسبحان الله.
بعد أن يئس العدو من اختراق جدار المقاومة الصلب حاول دس عملائه إلى داخل المدينة عن طريق المنظمات الإنسانية، لكن الله كشفهم للأهالي، فاعتقلوا واعترفوا بذنبهم، فتم إعدامهم جميعًا ودفنوا في مكان خاص ليلعنهم كل من يمر من ذلك المكان، ويكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه أن يبيع وطنه بحفنة من الدولارات.
كان العدو يعتبر حربه على الفلّوجة حربًا صليبية مصغرة، لأن الفلّوجة تمثل الاتجاه الديني في البلد، فمعروف عن أهلها التدين، ومشهورة هي بمساجدها، أكثر من ثمانين مسجد بمآذن عالية وقباب رائعة، بالإضافة إلى مميزات أهلها، فهم من أكثر الناس ثقافة وغنى، ففيها الكثير من المفكرين والمثقفين والتجار الكبار، بالإضافة إلى كبار العسكريين في الجيش السابق، وهذا ما يزيد من حقد العدو عليهم، فهو ثأر سابق إذن، ومحاولة لضرب رؤوس الأموال بمحاصرة المدينة وتخريبها وإلحاق الأذى بكل شيء فيها لإخضاع أهلها وكسر شوكتهم، إلاّ أن بلدة الصمود والفداء هذه هدمت كل أهدافهم على أسوارها، وضربت درسًا بالصمود والإباء لكل مدن العراق والعالم الحر.
أتمنى أن ينتفع كل الإخوة بما انتفعت به، وهذا قصدي من كتابة هذه السطور، فيشهد الله أني قد ذهبت إلى هناك سائلًا المولى العلي أن ينفع الناس المساكين بي، لكني عدت بعد أن اكتشفت أنني أنا المسكين، وأنا من يحتاج العون، وقد انتفعت كثيرًا من ذهابي، والحمد لله على ما نفعني به، وأوصيكم ونفسي ببذل الغالي والنفيس في طريق الجهاد مصداقًا لقوله تعالى:) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (.
قطعة ثوب أحد شهداء الفلّوجة رائحتها المسك يشتريها أحد التجار بثمانين ألف دولار
عام: الوطن العربي: السبت 18 ربيع الأول 1425هـ - 8 مايو2004 م
في صفقة نادرة اشترى أحد تجار دول الخليج البحرية قطعة ثوب لأحد شهداء الفلّوجة بثمانين ألف دولار وهي قيمة بناء مستشفى هناك.
وكانت هذه القطعة قد أبكت الحضور عندما عرضها أحد أطباء الفلّوجة، فقد كانت رائحتها غريبة وجميلة جدًا فهي تشبه المسك ولكنها أطيب منه، ولنترك هذا الطبيب يحكي لنا قصة تلك الليلة العجيبة والتي كانت تتكرر مرارًا في كل يوم مرة أو مرتين.
يقول الطبيب: في ليلة من ليال الحصار الظالم لمدينة الفلّوجة وبينما كنت في المستشفى البديل بالمدينة الباسلة كانت أصوات القصف العنقودي البغيض وهدير الطائرات الباغية يمزق سكون المدينة وتٌسمع أصوات التكبير والدعاء من مآذن المساجد لتلقي السكينة والطمأنينة في قلوب الجميع.
وتابع الطبيب: كان الكادر الطبي في المدينة ومن جاء لنصرتهم من مناطق العراق المختلفة وأهل المدينة ممن تطوع لإنقاذ الجرحى كانوا يسابقون الزمن لإنقاذ من يمكن إنقاذه من الجرحى الذين كانوا يتوافدون على المستشفى،.، وبينما نحن على تلك الحالة جيء بشاب يحمله زملاؤه على أكتافهم.
وأضاف: جاؤا به بسيارة متواضعة لأن سيارات الإسعاف تضرب وتحرق إذا حاولت الوصول إلى خطوط المواجهة، وضعوه على سرير الفحص،.، لأول وهلة بدا كأنّه حي يرزق: ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه المشرق وكأنه القمر ليلة البدر
وقال الطبيب: فكرت ترى ما الذي يراه أو يسمعه لتبدو عليه هذه الملامح الرائعة والسعادة وكأنه عريس يزف في ليلة عرسه!!! هل رأى الحور العين؟ هل رأى مقعده من الجنة؟ كأنّي اسمعه يقول 'ياليت قومي يعلمون بماغفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران170