الصفحة 41 من 49

مكانها ثم ربطوا مكان إصابته وتركوه، وقد تعافى بعدها بأيام، وهو حي الآن ما به من بأس إلا أن لسانه صار به بعض الثقل، نسأل الله أن يتقبل منه ومن إخوانه.

وأما عن روائح المسك، وما أدراك ما روائح المسك؟! فقد أصبحت من قبيل النقل المتواتر عند جمهور المجاهدين، فقد حدث الكثير من إخواننا عن الروائح الطيبة التي تنبعث من الشّهداء والجرحى تقبلهم الله جميعًا.

ومن ذلك ما جرى للأخ البطل أبي طلحة البيحاني، فقد أصيب رحمه الله إصابة بليغة وجعلت رائحته الطيبة تفوح في كل مكان، حتّى انتشرت ببعض الطرقات واشتمها كثير من الإخوة ثم قضى شهيدًا - نحسبه والله حسيبه ولا نزكيه على الله -

ومما يبعث على الثبات والطمأنينة، ما رواه كثير ممن حضر تلك الملحمة من أنهم سمعوا صهيل الخيول وصليل السيوف تشتبك عند احتدام المعارك واشتدادها، فتعجب الإخوة من ذلك مرارًا، وراحوا يسألون إخوانهم الأنصار إن كان هناك خيول قريبة من الفلّوجة، فجزم الأنصار بالنفي وأكدوا أن المنطقة لا يوجد فيها مثل هذه الخيول، فلله الحمد أولًا وآخرًا.

روى أحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى قال: قال رسول الله عليه وسلم: (اللّهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون) .

قال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران170

عش ملكًا أو مت كريما فإن تمت وسيفك مشهور بسيفك تعذرُ

هذه لمحة سريعة توجز ثمار ونتائج الثّبات والصّمود على أرض الفلّوجة المباركة، والإنجازات الحاصلة كثيرة المنافع جليلة التوابع، يدركها ويفهمها المنصف المتأمل في الأحداث والمواضع.

الخاتمة:

أعظم الكرامة!!

بقلم الشيخ عبد الله الرشود

أخي المجاهد:

يفرح المؤمن كثيرًا بما قد يجريه الله على يديه من كرامات تحدث له وتحفزه وتذكره بعظيم فضل الله عليه مع أنه ما كلُّ كرامة هي كرامة في الحقيقة إذ قد تكون فتنة للعبد واستدراجًا له وغير ذلك، ولكن تبقى كرامة الكرامات التي لا يتطرق إليها احتمال غير الكرامة التي امتن بها ربُّنا عزّ وجل على خير خلقه وأحبهم إليه نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلم.

إنها كرامة"لزوم الاستقامة"وعدم تأثره بتضليل وتلبيس المضلين حيث يقول الله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} .

وفي السورة التي تليها يقول عزوجل محذرًا نبيه من هؤلاء المضلين سعاة الفتنة: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} .

ورغم أن المؤمن في كل الأزمان يدرك عظيم هذه الفضيلة إلاّ أن مؤمن زمان الغربة أشد استيعابًا وإدراكًا لعظيم هذه الكرامة الربانية، لاسيما حينما يرى كثرة المتساقطين حوله دون بلوغ المراد ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله فيزداد المؤمن بهذه المواقف إيمانًا واعتبارًا، ولجوءًا إلى الله وافتقارًا، وازدراءًا لنفسه واحتقارًا.

تمامًا كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون.

فترى مثلًا الإمام الراشد الفقيه المسدد المبشر بالجنة والنجاة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم كثير النوح على نفسه والخوف عليها من موارد النفاق فيقول لحذيفة رضي الله عنهم نشدتك الله هل عدني رسول الله من المنافقين؟

وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النّبي(صلّى الله عليه وسلّم) كلهم يخشى النفاق على نفسه).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت