وأما قول عمر رضي الله عنه: {وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ} فليس فيه ترجيح الإنفراد، ولا ترجيح فعلها في البيت، وإنما فيه ترجيح آخر الليل على أوله كما صرح به الراوى بقوله: {يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ} . ثم لقائل أن يقول: إن المراد بأنها لا تُصَلَّى جماعةً في المسجد بإمام واحد، وإنما فعلها الناس جماعات بأئمة كثيرة، كما أشار إليه الحديث المتقدم ذكره بقوله: {فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ} ، ويؤيد ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: {كَانَ النّاسُ يُصَلّونَ في المَسْجِدِ في رَمَضَانَ أَوْزَاعًا، فأَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَضَرَبْتُ لَهُ حَصِيرًا فَصَلّى عَلَيْهِ. بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَتْ فيه: قالَ - تَعْنِي - النّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيّهَا النّاسُ أما وَالله مَا بِتُّ لَيْلَتِي هَذِهِ بِحَمْدِ الله غَافِلًا، وَلاَ خَفِيَ عَلَيّ مَكَانُكُمْ} ، و ما رواه أبو داود في سننه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فإِذَا أُنَاسٌ في رَمَضَانَ يُصَلّونَ في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَؤُلاَءِ ؟ فَقِيلَ: هَؤُلاَءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنُ وَأُبَيّ بنُ كَعْبٍ يُصَلّي وَهُمْ يُصَلّونَ بِصَلاَتِهِ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا} . قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقويّ، مسلم بن خالد ضعيف إهـ. وقال شارح الإحياء: والشافعي يوثّقه إهـ.
ففي هذين الحديثين إثبات الجماعة في التراويح وإبطال قول من زعم أنها محدثة.فإذا عرفتَ ذلك فالذي سماه عمر رضي الله عنه بدعةً بقوله: {نِعْمَتِْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ} إنما هو جمع الناس على إمام واحد في المسجد، لا الجماعة في التراويح. والله أعلم.
{الباب الثالث: في عدد ركعات التراويح}